الشوكاني

193

فتح القدير

أو يدفع ضررا كما كانوا يحسبون ذلك في الدنيا ( ألا إنهم هم الكاذبون ) أي الكاملون في الكذب المتهالكون عليه البالغون فيه إلى حد لم يبلغ غيرهم إليه بإقدامهم عليه وعلى الأيمان الفاجرة في موقف القيامة بين يدي الرحمن ( استحوذ عليهم الشيطان ) أي غلب عليهم واستعلى واستولى . قال المبرد : استحوذ على الشئ حواه وأحاط به ، وقيل قوى عليهم ، وقيل جمعهم ، يقال أحوذ الشئ : أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ، والمعاني متقاربة لأنه إذا جمعهم فقد قوى عليهم وغلبهم واستعلى عليهم واستولى وأحاط بهم ( فأنساهم ذكر الله ) أي أوامره والعمل بطاعاته ، فلم يذكروا شيئا من ذلك ، وقيل زواجره في النهي عن معاصيه ، وقيل لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى المذكورين الموصوفين بتلك الصفات ، وهو مبتدأ وخبره ( حزب الشيطان ) أي جنوده وأتباعه ورهطه ( ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) أي الكاملون في الخسران حتى كأن خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران لأنهم باعوا الجنة والهدى بالضلالة ، وكذبوا على الله وعلى نبيه وحلفوا الأيمان الفاجرة في الدنيا والآخرة ( إن الذين يحادون الله ورسوله ) تقدم معنى المحادة لله ولرسوله في أول هذه السورة ، والجملة تعليل لما قبلها ( أولئك في الأذلين ) أي أولئك المحادون لله ورسوله المتصفون بتلك الصفات المتقدمة من جملة من أذلة الله من الأمم السابقة واللاحقة لأنهم لما حادوا الله ورسوله صاروا من الذل بهذا المكان . قال عطاء : يريد الذل في الدنيا والخزي في الآخرة ( كتب الله لأغلبن وأنا ورسلي ) الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها مع كونهم في الأذلين : أي كتب في اللوح المحفوظ ، وقضى في سابق علمه : لأغلبن أنا ورسلي بالحجة والسيف . قال الزجاج : معنى غلبة الرسل على نوعين : من بعث منهم بالحرب فهو غالب في الحرب ، ومن بعث منهم بغير الحرب فهو غالب بالحجة . قال الفراء : كتب بمعنى قال ، وقوله " أنا " توكيد ، ثم ذكر مثل قول الزجاج ( إن الله قوي عزيز ) فهو قوي على نصر أوليائه غالب لأعدائه لا يغلبه أحد ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لكل من يصلح له : أي يحبون ويوالون من عادي الله ورسوله وشاقهما ، وجملة " يوادون " في محل نصب على أنها المفعول الثاني لتجد إن كان متعديا إلى مفعولين ، أو في محل نصب على الحال إن كان متعديا إلى مفعول واحد ، أو صفة أخرى لقوما : أي جامعون بين الإيمان والموادة لمن حاد الله ورسوله ( ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) أي ولو كان المحادون لله ورسوله آباء الموادين الخ ، فإن الإيمان يزجر عن ذلك ويمنع منه ، ورعايته أقوى من رعاية الأبوة والبنوة والأخوة والعشيرة ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) يعني الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ، ومعنى ( كتب في قلوبهم الإيمان ) خلقه ، وقيل أثبته ، وقيل جعله ، وقيل جمعه ، والمعاني متقاربة ( وأيدهم بروح منه ) أي قواهم بنصر منه على عدوهم في الدنيا ، وسمى نصره لهم روحا لأن به يحيا أمرهم ، وقيل هو نور القلب . وقال الربيع بن أنس : بالقرآن والحجة ، وقيل بجبريل ، وقيل بالإيمان ، وقيل برحمة . قرأ الجمهور " كتب " مبنيا للفاعل ونصب الإيمان على المفعولية . وقرأ زر بن حبيش والمفضل عن عاصم على البناء للمفعول ورفع الإيمان على النيابة . وقرأ زر بن حبيش " عشيراتهم " بالجمع ، ورويت هذه القراءة عن عاصم ( ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) على الأبد ( رضي الله عنهم ) أي قبل أعمالهم وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة ( ورضوا عنه ) أي فرحوا بما أعطاهم عاجلا وآجلا ( أولئك حزب الله ) أي جنده الذين يمتثلون أوامره ويقاتلون أعداءه وينصرون أولياءه ، وفي إضافتهم إلى الله سبحانه تشريف لهم عظيم وتكريم فخيم ( ألا إن حزب الله هم