الشوكاني

192

فتح القدير

قوله ( ألم تر إلى الذين تولوا قوما ) أي والوهم ، قال قتادة : هم المنافقين تولوا اليهود ، وقال السدي ومقاتل : هم اليهود تولوا المنافقين ، وبدل على الأول قوله ( غضب الله عليهم ) فإن المغضوب عليهم هم اليهود ، ويدل على الثاني قوله ( ما هم منكم ولا منهم ) فإن هذه صفة المنافقين ، كما قال الله فيهم - مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء - وجملة ( ما هم منكم ولا منهم ) في محل نصب على الحال أو هي مستأنفة ( ويحلفون على الكذب ) أي يحلفون أنهم مسلمون ، أو يحلفون أنهم ما نقلوا الأخبار إلي اليهود ، والجملة عطف على تولوا داخله في حكم التعجيب من فعلهم ، وجملة ( وهم يعلمون ) في محل نصب على الحال : أي والحال أنهم يعلمون بطلان ما حلفوا عليه ، وأنه كذب لا حقيقة له ( أعد الله لهم عذابا شديدا ) بسبب هذا التولي والحلف على الباطل ( إنهم ساء ما كانوا يعملون ) من الأعمال القبيحة ( اتخذوا أيمانهم جنة ) قرأ الجمهور " أيمانهم " بفتح الهمزة جمع يمين ، وهي ما كانوا يحلفون عليه من الكذب بأنهم من المسلمين توقيا من القتل ، فجعلوا هذه الأيمان وقاية وسترة دون دمائهم كما يجعل المقاتل الجنة وقاية له من أن يصاب بسيف أو رمح أو سهم . وقرأ الحسن وأبو العالية " إيمانهم " بكسر الهمزة أي جعلوها تصديقهم جنة من القتل ، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل ولم تؤمن قلوبهم ( فصدوا عن سبيل الله ) أي منعوا الناس عن الإسلام بسبب ما يصدر عليهم من التشبيط وتهوين أمر المسلمين وتضعيف شوكتهم ، وقيل المعنى : فصدوا المسلمين عن قتالهم بسبب إظهارهم للإسلام ( فلهم عذاب مهين ) أي يهينهم ويخزيهم ، قيل هو تكرير لقوله ( أعد الله لهم عذابا شديدا ) للتأكيد ، وقيل الأول عذاب القبر ، وهذا عذاب الآخرة ، ولا وجه للقول بالتكرر ، فإن العذاب الموصوف بالشدة غير العذاب الموصوف بالإهانة ( لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ) أي لن تغني عنهم من عذابه شيئا من الإغناء قال مقاتل . قال المنافقون : إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا إذن ، فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا إن كانت قيامة فنزلت الآية ( أولئك ) الموصوفون بما ذكر ( أصحاب النار ) لا يفارقونها ( هم فيها خالدون ) لا يخرجون منها ( يوم يبعثهم الله جميعا ) الظرف منصوب بقوله : مهين ، أو بمقدر : أي أذكر ( فيحلفون له كما يحلفون لكم ) أي يحلفون لله يوم القيامة على الكذب كما يحلفون لكم في الدنيا ، وهذا من شدة شقاوتهم ومزيد الطبع على قلوبهم ، فإن يوم القيامة قد انكشفت الحقائق وصارت الأمور معلومة بضرورة المشاهدة ، فكيف يجترئون على أن يكذبوا في ذلك الموقف ويحلفون على الكذب ( ويحسبون أنهم على شئ ) أي يحسبون في الآخرة أنهم بتلك الأيمان الكاذبة على شئ مما يجلب نفعا ،