الشوكاني
153
فتح القدير
( وماء مسكوب ) أي منصب يجري بالليل والنهار أينما شاءوا لا ينقطع عنهم ، فهو مسكوب يسكبه الله في مجاريه ، وأصل السكب الصب ، يقال سكبه سكبا : أي صبه ( وفاكهة كثيرة ) أي ألوان متنوعة متكثرة ( لا مقطوعة ) في وقت من الأوقات كما تنقطع فواكه الدنيا في بعض الأوقات ( ولا ممنوعة ) أي لا تمتنع على من أرادها في أي وقت على أي صفة ، بل هي معدة لمن أرادها لا يحول بينه وبينها حائل . قال ابن قتيبة : يعني أنها غير محظورة عليها كما يحظر على بساتين الدنيا ( وفرش مرفوعة ) أي مرفوع بعضها فوق بعض ، أو مرفوعة على الأسرة . وقيل إن الفرش هنا كناية عن النساء اللواتي في الجنة ، وارتفاعها كونها على الأرائك ، أو كونها مرتفعات الأقدار في الحسن والكمال ( إنا أنشأناهن إنشاء ) أي خلقناهن خلقا جديدا من غير توالد ، وقيل المراد نساء بني آدم ، والمعنى : أن الله سبحانه أعادهن بعد الموت إلى حال الشباب ، والنساء وإن لم يتقدم لهن ذكر لكنهن قد دخلن في أصحاب اليمين ، وأما على قول من قال : إن الفرش المرفوعة عين النساء فمرجع الضمير ظاهر ( فجعلناهن أبكارا ) - لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان - ( عربا أترابا ) العرب جمع عروب ، وهي المتحببة إلى زوجها . قال المبرد : هي العاشقة لزوجها ، ومنه قول لبيد : وفي الخباء عروب غير فاحشة * ريا الروادف يعشي ضوؤها البصرا وقال زيد بن أسلم : هي الحسنة الكلام . قرأ الجمهور بضم العين والراء . وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بإسكان الراء وهما لغتان في جمع فعول ، والأتراب : هن اللواتي على ميلاد واحد وسن واحد . وقال مجاهد : أترابا أمثالا وأشكالا . وقال السدي : أترابا في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسد . قوله ( لأصحاب اليمين ) متعلق بأنشأناهن أو بجعلنا أو بأترابا ، والمعنى : أن الله أنشأهن لأجلهم أو خلقهن لأجلهم أو هن مساويات لأصحاب اليمين في السن ، أو هو خبر لمبتدأ محذوف : أي هن لأصحاب اليمين ( ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) هذا راجع إلى قوله ( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ) أي هم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ، وقد تقدم تفسير الثلة عند ذكر السابقين ، والمعنى : أنهم جماعة أو أمة أو فرقة أو قطعة من الأولين ، وهم من لدن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، وجماعة أو أمة أو فرقة قطعة من الآخرين وهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك : ثلة من الأولين . يعني من سابقي هذه الأمة ، وثلة من الآخرين من هذه الأمة من آخرها ، ثم لما فرغ سبحانه مما أعده لأصحاب اليمين شرع في ذكر أصحاب الشمال وما أعده لهم فقال ( وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ) الكلام في إعراب هذا وما فيه من التفخيم كما سبق في أصحاب اليمين ، وقوله ( في سموم وحميم ) إما خبر ثان لأصحاب الشمال أو خبر مبتدإ محذوف ، والسموم : حر النار ، والحميم : الماء الحار الشديد الحرارة ، وقد سبق بيان معناه . وقيل السموم : الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن ( وظل من يحموم ) اليحموم يفعول من الأحم : وهو الأسود ، والعرب تقول أسود يحموم : إذا كان شديد السواد ، والمعني : أنهم يفزعون إلى الظل فيجدونه ظلا من دخان جهنم شديد السواد . وقيل وهو مأخوذ من الحم وهو الشحم المسود باحتراق النار . وقيل مأخوذ من الحمم وهو الفحم . قال الضحاك : النار سوداء وأهلها سود وكل ما فيها أسود . ثم وصف هذا الظل بقوله ( لا بارد ولا كريم ) أي ليس كغيره من الظلال التي تكون باردة ، بل هو حار لأنه من دخان نار جهنم . قال سعيد بن المسيب : ولا كريم : أي ليس فيه حسن منظر وكل مالا خير فيه فليس بكريم وقال الضحاك : ولا كريم ولا عذب . قال الفراء : العرب تجعل الكريم تابعا لكل شئ نفت عنه وصفا تنوي