الشوكاني

154

فتح القدير

به الذم ، تقول : ما هو بسمين ولا بكريم ، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة . ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب فقال ( إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ) وهذه الجملة تعليل لما قبلها : أي إنهم كانوا قبل هذا العذاب النازل بهم مترفين في الدنيا : أي منعمين بما لا يحل لهم ، والمترف المتنعم . وقال السدى : مشركين ، وقيل متكبرين ، والأول أولى ( وكانوا يصرون على الحنث العظيم ) الحنث الذنب : أي يصرون على الذنب العظيم . قال الواحدي : قال أهل التفسير : عني به الشرك : أي كانوا لا يتوبون عن الشرك . وبه قال الحسن والضحاك وابن زيد . وقال قتادة ومجاهد : هو الذنب العظيم الذي لا يتوبون عنه . وقال الشعبي : هو اليمين الغموس ، ( وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ) الهمزة في الموضعين للإنكار والاستبعاد ، وقد تقدم الكلام على هذا في الصافات ، وفي سورة الرعد ، والمعنى : أنهم أنكروا واستبعدوا أن يبعثوا بعد الموت ، وقد صاروا عظاما وترابا ، والمراد أنه صار لحمهم وجلودهم ترابا وصارت عظامهم نخرة بالية ، والعامل في الظرف ما يدل عليه مبعوثون ، لأن ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله : أي انبعث إذا متنا ؟ الخ ( أو آباؤنا الأولون ) معطوف على الضمير في لمبعوثون لوقوع الفصل بينهما بالهمزة ، والمعنى : أن بعث آبائهم الأولين أبعد لتقدم موتهم ، وقرئ وآباؤنا . ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم ويرد استبعادهم فقال ( قل إن الأولين والآخرين لمجموعون ) أي قل لهم يا محمد إن الأولين من الأمم والآخرين منهم الذين أنتم من جملتهم لمجموعون بعد البعث ( إلى ميقات يوم معلوم ) وهو يوم القيامة ( ثم إنكم أيها الضالون المكذبون ) هذا وما بعده من جملة ما هو داخل تحت القول ، وهو معطوف على " إن الأولين " ووصفهم سبحانه بوصفين قبيحين ، وهما الضلال عن الحق والتكذيب له ( لآكلون من شجر من زقوم ) أي لآكلون في الآخرة من شجر كريه المنظر كريه الطعم ، وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات ، ومن الأولى لابتداء الغاية ، والثانية بيانية ، ويجوز أن تكون الأولى مزيدة ، والثانية بيانية ، وأن تكون الثانية مزيدة ، والأولى للابتداء ( فمالئون منها البطون ) أي مالئون من شجر الزقوم بطونكم لما يلحقكم من شدة الجوع ( فشاربون عليه من الحميم ) الضمير في عليه عائد إلى الزقوم ، والحميم الماء الذي قد بلغ حره إلى الغاية ، والمعنى : فشاربون على الزقوم عقب أكله من الماء الحار ، ويجوز أن يعود الضمير إلى شجر لأنه يذكر ويؤنث . ويجوز أن يعود إلى الأكل المدلول عليه بقوله " لآكلون " ، وقرئ " من شجرة " بالإفراد ( فشاربون شرب الهم ) قرأ الجمهور " شرب الهيم " بفتح الشين ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة بضمها ، وقرأ مجاهد وأبو عثمان النهدي بكسرها ، وهي لغات قال . أبو زيد : سمعت العرب تقول بضم السين وفتحها وكسرها . قال المبرد : الفتح على أصل المصدر والضم اسم المصدر ، والهيم : الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها ، وهذه الجملة بيان لما قبلها : أي لا يكون شربكم شربا معتادا بل يكون مثل شرب الهيم التي تعطش ولا تروى بشرب الماء ، ومفرد الهيم أهيم ، والأنثى هيماء . قال قيس بن الملوح : يقال به داء الهيام أصابه * وقد علمت نفسي مكان شفائيا وقال الضحاك وابن عيينة والأخفش وابن كيسان : الهيم الأرض السهلة ذات الرمل ، والمعنى : أنهم يشربون كما تشرب هذه الأرض الماء ولا يظهر له فيها أثر . قال في الصحاح : الهيام بالضم : أشد العطش ، والهيام كالجنون من العشق ، والهيام : داء يأخذ الإبل تهيم في الأرض لا ترعى ، يقال ناقة هيماء ، والهيماء أيضا : المفازة لا ماء بها ، والهيام بالفتح : الرمل الذي لا يتماسك في اليد للينه ، والجمع هيم مثل قذال وقذل ، والهيام