الشوكاني

147

فتح القدير

قوله ( إذا وقعت الواقعة ) الواقعة اسم للقيامة كالآزفة وغيرها ، وسميت واقعة لأنها كائنة لا محالة ، أو لقرب وقوعها ، أو لكثرة ما يقع فيها من الشدائد ، وانتصاب إذا بمضمر : أي أذكر وقت وقوع الواقعة ، أو بالنفي المفهوم من قوله ( ليس لوقعتها كاذبة ) أي لا يكون عند وقوعها تكذيب ، والكاذبة مصدر كالعاقبة : أي ليس لمجيئها وظهورها كذب أصلا ، وقيل إذا شرطية وجوابها مقدر : أي إذا وقعت كان كيت وكيت ، والجواب هذا هو العامل فيها ، وقيل إنها شرطية ، والعامل فيها الفعل الذي بعدها ، واختار هذا أبو حيان ، وقد سبقه إلى هذا مكي فقال : والعامل وقعت . قال المفسرون : والواقعة هنا هي النفخة الآخرة ، ومعنى الآية : أنها إذا وقعت النفخة الآخرة عند البعث لم يكن هناك تكذيب بها أصلا ، أو لا يكون هناك نفس تكذب على الله وتكذب بما أخبر عنه من أمور الآخرة . قال الزجاج : ليس لوقعتها كاذبة : أي لا يردها شئ ، وبه قال الحسن وقتادة . وقال الثوري : ليس لوقعتها أحد يكذب بها . وقال الكسائي : ليس لها تكذيب : أي لا ينبغي أن يكذب بها أحد ( خافضة رافعة ) قرأ الجمهور برفعهما على إضمار مبتدإ : أي هي خافضة رافعة . وقرأ الحسن وعيسى الثقفي بنصبهما على الحال . قال عكرمة والسدي ومقاتل : خفضت الصوت فأسمعت من دنا ، ورفعت الصوت فأسمعت من نأى : أي أسمعت القريب والبعيد . وقال قتادة : خفضت أقواما في عذاب الله ، ورفعت أقواما إلى طاعة الله . وقال محمد بن كعب : خفضت أقواما كانوا في الدنيا مرفوعين ، ورفعت أقواما كانوا في الدنيا مخفوضين ، والعرب تستعمل الخفض والرفع في المكان والمكانة والعز والإهانة ، ونسبة الخفض والرفع إليها على طريق المجاز ، والخافض والرافع في الحقيقة هو الله سبحانه ( إذا رجت الأرض رجا ) أي إذا حركت حركة شديدة ، يقال رجه يرجه رجا إذا حركه ، والرجة الاضطراب ، وارتج البحر اضطرب . قال المفسرون : ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها وينكسر كل شئ من الجبال وغيرها . قال قتادة ومقاتل ومجاهد : معنى رجت زلزلت ، والظرف متعلق بقوله " خافضة رافعة " أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال ، لأنه عند ذلك يرتفع ما هو منخفض وينخفض ما هو مرتفع ، وقيل إنه بدل من الظرف الأول ذكره الزجاج ، فيكون معنى وقوع الواقعة هو رج الأرض ، وبس الجبال ( وبست الجبال بسا ) البس : الفت ، يقال : بس الشئ إذا فته حتى يصير فتاتا ، ويقال بس السويق : إذا لته بالسمن أو بالزيت . قال مجاهد ومقاتل : المعنى أن الجبال فتتت فتا . وقال السدى : كسرت كسرا . وقال الحسن : قلعت من أصلها . وقال مجاهد أيضا : بست كما يبس الدقيق بالسمن أو بالزيت ، والمعنى : أنها خلطت فصارت كالدقيق الملتوت . وقال أبو زيد : البس السوق ، والمعنى على هذا : سيقت الجبال سوقا . قال أبو عبيد : بس الإبل وأبسها لغتان : إذا زجرها . وقال عكرمة : المعنى هدت هدا ( فكانت هباء منبثا ) أي غبارا متفرقا منتشرا . قال مجاهد : الهباء الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار ، وقيل هو الرهج الذي يسطع من حوافر الدواب ثم يذهب ، وقيل ما تطاير من النار إذا اضطرمت على