الشوكاني

148

فتح القدير

سورة الشرر ، فإذا وقع لم يكن شيئا ، وقد تقدم بيانه في الفرقان عند تفسير قوله - فجعلناه هباء منثورا - قرأ الجمهور " منبثا " بالمثلثة . وقرأ مسروق والنخعي وأبو حيوة بالتاء المثناة من فوق : أي منقطعا ، من قولهم بته الله : أي قطعه . ثم ذكر سبحانه أحوال الناس واختلافهم فقال ( وكنتم أزواجا ثلاثة ) والخطاب لجميع الناس أو للأمة الحاضرة ، والأزواج الأصناف ، والمعنى : وكنتم في ذلك اليوم أصنافا ثلاثة . ثم فسر سبحانه هذه الأصناف فقال ( فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ) أي أصحاب اليمين ، وهم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم ، أو الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ، وأصحاب الميمنة مبتدأ ، وخبره : ما أصحاب الميمنة : أي أي شئ هم في حالهم وصفتهم ، والاستفهام للتعظيم والتفخيم ، وتكرير المبتدأ هنا بلفظه مغن عن الضمير الرابط ، كما في قوله - الحاقة ما الحاقة - - والقارعة ما القارعة - ولا يجوز مثل هذا إلا في مواضع التفخيم والتعظيم ( و ) الكلام في ( أصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ) كالكلام في أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ، والمراد الذي يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار أو يأخذون صحائف أعمالهم بشمالهم ، والمراد تعجيب السامع من حال الفريقين في الفخامة والفظاعة ، كأنه قيل : فأصحاب الميمنة في نهاية السعادة وحسن الحال ، وأصحاب المشأمة في نهاية الشقاوة وسوء الحال . وقال السدي : أصحاب الميمنة هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه وأصحاب المشأمة هم الذين كانوا عن شماله . وقال زيد ابن أسلم : أصحاب الميمنة هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن ، وأصحاب المشامة هم الذين أخذوا من شقة الأيسر . وقال ابن جريج : أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات ، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات . وقال الحسن والربيع : أصحاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة ، وأصحاب المشأمة هم المشائيم على أنفسهم بالأعمال القبيحة . وقال المبرد : أصحاب الميمنة أصحاب التقدم ، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخر ، والعرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك : أي اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين ، ومنه قول ابن الدمينة : أبنيتي أفي يمنى يديك جعلتني * فأفرح أم صيرتني في شمالك ثم ذكر سبحانه الصنف الثالث فقال ( والسابقون السابقون ) والتكرير فيه للتفخيم والتعظيم كما مر في القسمين الأولين ، كما تقول أنت أنت وزيد زيد ، والسابقون مبتدأ ، وخبره السابقون . وفيه تأويلان : أحدهما أنه بمعنى السابقون هم الذين اشتهرت حالهم بذلك . والثاني أن متعلق السابقين مختلف ، والتقدير : والسابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة . والأول أولى لما فيه من الدلالة على التفخيم والتعظيم . قال الحسن وقتادة : هم السابقون إلى الإيمان من كلامه . وقال محمد بن كعب : إنهم الأنبياء . وقال ابن سيرين : هم الذين صلوا إلى القبلتين . وقال مجاهد : هم الذين سبقوا إلى الجهاد ، وبه قال الضحاك . وقال سعيد بن جبير : هم السابقون إلى التوبة وأعمال البر . وقال الزجاج : المعنى والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله . قيل ووجه تأخير هذا الصنف الثالث مع كونه أشرف من الصنفين الأولين هو أن يقترن به وما بعده ، وهو قوله ( أولئك المقربون في جنات النعيم ) فالإشارة هي إليهم : أي المقربون إلى جزيل ثواب الله وعظيم كرامته ، أو الذين قربت درجاتهم وأعليت مراتبهم عند الله . وقوله " في جنات النعيم " متعلق بالمقربون : أي مقربون عند الله في جنات النعيم . ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لأولئك ، وأن يكون حالا من الضمير في المقربون : أي كائنين فيها . قرأ الجمهور " في جنات " بالجمع ، وقرأ طلحة بن مصرف " في جنة " بالإفراد ، وإضافة الجنات إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه كما يقال : دار الضيافة ودار الدعوة ودار العدل ، وارتفاع ( ثلة من الأولين ) على أنه خبر مبتدإ محذوف : أي