الشوكاني
107
فتح القدير
أي جحدته . قال المبرد : يقال أمرأه عن حقه وعلى حقه : إذا منعه منه ودفعه . وقيل على بمعنى عن . وقرأ ابن مسعود والشعبي ومجاهد والأعرج " أفتمرونه " بضم التاء من أمريت : أي أتريبونه وتشكون فيه . قال جماعة من المفسرين : المعنى على قراءة الجمهور أفتجادلونه ، وذلك أنهم جادلوه حين أسرى به فقالوا : صف لنا مسجد بيت المقدس ، أي أفتجادلونه جدالا ترمون به دفعه عما شاهده وعلمه ، واللام في قوله ( ولقد رآه نزلة أخرى ) هي الموطئة للقسم : أي والله لقد رآه نزلة أخرى ، والنزلة المرة من النزول ، فانتصابها على الظرفية أو منتصبة على المصدر الواقع موقع على الحال : أي رأى جبريل نازلا نزلة أخرى ، أو على أنه صفة مصدر مؤكد محذوف : أي رآه رؤية أخرى . قال جمهور المفسرين : المعنى أنه رأى محمد جبريل مرة أخرى ، وقيل رأى محمد ربه مرة أخرى بفؤاده ( عند سدرة المنتهى ) الظرف منتصب برآه ، والسدر هو شجر النبق ، وهذه السدرة هي في السماء السادسة كما في الصحيح ، وروى أنها في السماء السابعة . والمنتهى : مكان الانتهاء ، أو هو مصدر ميمي ، والمراد به الانتهاء نفسه ، قيل إليها ينتهى علم الخلائق ولا يعلم أحد منهم ما وراءها ، وقيل ينتهي إليها ما يعرج به من الأرض ، وقيل تنتهي إليها أرواح الشهداء ، وقيل غيره ذلك . وإضافة الشجرة إلى المنتهى من إضافة الشئ إلى مكانه ( عندها جنة المأوى ) أي عند تلك السدرة جنة تعرف بجنة المأوى ، وسميت جنة المأوى لأنه أوى إليها آدم ، وقيل إن أرواح المؤمنين تأوي إليها . قرأ الجمهور " جنة " برفع جنة على أنها مبتدأ وخبرها الظرف المتقدم . وقرأ على وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير وأنس وزر بن حبيش ومحمد بن كعب ومجاهد وأبو سبرة الجهني جنة فعلا ماضيا من جن يجن : أي ضمه المبيت ، أو سترة إيواء الله له . قال الأخفش : أدركه كما تقول جنة الليل أي ستره وأدركه ، والجملة في محل نصب على الحال ( إذ يغشي السدرة ما يغشى ) العامل في الظرف رآه أيضا ، وهو ظرف زمان ، والذي قبله ظرف مكان ، والغشيان بمعنى التغطية والستر ، وبمعنى الإتيان يقال : فلان يغشاني كل حين : أي يأتيني ، وفي الإبهام في قوله ( ما يغشى ) من التفخيم ما لا يخفى ، وقيل يغشاها جراد من ذهب ، وقيل طوائف من الملائكة . وقال مجاهد : رفرف أخضر ، وقيل رفرف من طيور خضر ، وقيل غشيها أمر الله ، والمجئ بالمضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا للصورة البديعة ، أو للدلالة على الاستمرار التجددي ( ما زاغ البصر ) أي ما مال بصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عما رآه ( وما طغى ) أي ما جاوز ما رآى ، وفي هذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك المقام حيث لم يلتفت ، ولم يمل بصره ، ولم يمده إلى غير ما رأى ، وقيل ما جاوز ما أمر به ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) أي والله لقد رأى تلك الليلة من آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف ، قيل رأى رفرفا سد الأفق ، وقيل رأى جبريل في حلة خضراء قد ملأ ما بين السماء والأرض له ستمائة جناح ، كذا في صحيح مسلم وغيره ، وقال الضحاك : رأى سدرة المنتهى ، وقيل هو كل ما رآه تلك الليلة في مسراه وعوده ، ومن للتبعيض ومفعول رأى الكبرى ، ويجوز أن يكون المفعول محذوفا أي رأى شيئا عظيما من آيات ربه ، ويجوز أن تكون من زائدة ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) لما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين : موبخا لهم ومقرعا ( أفرأيتم ) أي أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها ، وهل أوحت إليكم شيئا كما أوحى الله إلى محمد . أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع . ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي اشتهرت في العرب وعظم اعتقادهم فيها . وقال الواحدي وغيره : وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى ، فقالوا من الله اللات ، ومن العزيز العزى ، وهي تأنيب الأعز بمعنى العزيزة ، ومناة من منى الله الشئ إذا قدره . قرأ الجمهور ( اللات ) بتخفيف التاء ، فقيل هو مأخوذ من اسم الله سبحانه كما تقدم ،