الشوكاني

106

فتح القدير

بالأفق الأعلى ، والمراد بالأفق الأعلى : جانب المشرق ، وهو فوق جانب المغرب ، وقيل المعنى : فاستوى عاليا ، والأفق : ناحية السماء ، وجمعه آفاق . قال قتادة ومجاهد : هو الموضع الذي تطلع منه الشمس ، وقيل : هو يعني جبريل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأفق الأعلى ليلة المعراج ، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة ( ثم دنا فتدلي ) أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى : أي قرب من الأرض ، فتدلي فنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي ، وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : ثم تدلى فدنى ، قاله ابن الأنباري وغيره . قاله ابن الأنباري وغيره . قال الزجاج : معنى دنا فتدلى واحد : أي قرب وزاد في القرب كما تقول فدنا منى فلان وقرب ، ولو قلت : قرب منى ودنا جاز . قال الفراء : الفاء في فتدلى بمعنى الواو ، والتقدير : ثم تدلى جبريل ودنا ، ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أن تقدم أيهما شئت . قال الجمهور : والذي دنا فتدلى هو جبريل ، وقيل هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى : دنا منه أمره وحكمه ، والأول أولى . قيل ومن قال : إن الذي استوى هو جبريل ومحمد ، فالمعنى عنده : ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة فتدلى : أي هوى للسجود ، وبه قال الضحاك ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) أي فكان مقدار ما بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أو ما بين محمد وربه قاب قوسين : أي قدر قوسين عربيين . وألقاب والقيب ، والقاد والقيد : المقدار ، ذكر معناه في الصحاح . قال الزجاج : أي فيما تقدرون أنتم ، والله سبحانه عالم بمقادير الأشياء ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا . وقيل أو بمعنى الواو : أي وأدنى ، وقيل بمعنى بل : أي بل أدنى . وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة ( فكان قاب قوسين ) قدر ذراعين ، والقوس : الذراع يقاس بها كل شئ ، وهي لغة بعض الحجازيين ، وقيل هي لغة أزد شنوءة . وقال الكسائي : فكان قاب قوسين أراد قوسا واحدة ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) أي فأوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما أوحى ، وفيه تفخيم للوحي الذي أوحى إليه ، والوحي : إلقاء الشئ بسرعة ، ومنه الوحا وهو السرعة ، والضمير في عبده يرجع إلى الله كما في قوله - ما ترك على ظهرها من دابة - وقيل المعنى : فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى ، وبالأول قال الربيع والحسن وابن زيد وقتادة . وقيل فأوحى الله إلى عبده محمد . قيل وقد أبهم الله سبحانه ما أوحاه جبريل إلى محمد . أو ما أوحاه الله إلى عبده جبريل أو إلى محمد ولم يبينه لنا ، فليس لنا أن نعترض لتفسيره . وقال سعيد بن جبير : الذي أوحى إليه هو - ألم نشرح لك صدرك - الخ ، و - ألم يجدك يتيما فآوى - الخ . وقيل أوحى الله إليه إن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها ، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " . وقيل إن ما للعموم لا للإبهام . والمراد كل ما أوحى به إليه ، والحمل على الإبهام أولى لما فيه من التعظيم ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) أي ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما رآه بصره ليلة المعراج ، يقال كذبه : إذا قال له الكذب ولم يصدقه . قال المبرد : معنى الآية أنه رأى شيئا فصدق فيه . قرأ الجمهور " ما كذب " مخففا ، وقرأ هشام وأبو جعفر بالتشديد ، " وما " في " ما رأى " موصولة أو مصدرية في محل نصب بكذب مخففا ومشددا ( أفتمارونه على ما يرى ) . قرأ الجمهور " أفتمارونه " بالألف من المماراة ، وهي المجادلة والملاحاة ، وقرأ حمزة والكسائي " أفتمرونه " بفتح التاء وسكون الميم : أي أفتجدونه ، واختار أبو عبيد القراءة الثانية . قال : لأنهم لم يماروه وإنما جحدوه ، يقال مراه حقه : أي جحده - ومريته أنا : جحدته . قال ومنه قول الشاعر : لأن هجوت أخا صدق ومكرمة * لقد مريت أخا ما كان يمريكا