الشوكاني
99
فتح القدير
ذلك ثقة من فرعون بالظهور وطلبا أن يكون بمجمع من الناس حتى لا يؤمن بموسى أحد منهم ، فوقع ذلك من موسى الموقع الذي يريده ، لأنه يعلم أن حجة الله هي الغالبة ، وحجة الكافرين هي الداحضة ، وفي ظهور حجة الله بمجمع من الناس زيادة في الاستظهار للمحقين ، والانقهار للمبطلين ، ومعنى ( لعلنا نتبع السحرة ) نتبعهم في دينهم ( إن كانوا هم الغالبين ) والمراد باتباع السحرة في دينهم هو البقاء على ما كانوا عليه ، لأنه دين السحرة إذ ذاك والمقصود المخالفة لما دعاهم إليه موسى ، فعند ذلك طلب السحرة من موسى الجزاء على ما سيفعلونه ف ( قال لفرعون أئن لنا لأجرا ) أي لجزاء تجزينا به من مال أو جاه ، وقيل أرادوا إن لنا ثوابا عظيما ، ثم قيدوا ذلك بظهور غلبتهم لموسى ، فقالوا ( إن كنا نحن الغالبين ) فوافقهم فرعون على ذلك و ( قال نعم وإنكم إذن لمن المقربين ) أي نعم لكم ذلك عندي مع زيادة عليه ، وهي كونكم من المقربين لدي ( قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ) وفي آية أخرى - قالوا يا موسى إما أن تلقي وأما نكون نحن الملقين - فيحتمل ما هنا على أنه قال لهم : ألقوا بعد أن قالوا هذا القول ، ولم يكن ذلك من موسى عليه السلام أمرا لهم بفعل السحر ، بل أراد أن يقهرهم بالحجة ويظهر لهم أن الذي جاء به ليس هو من الجنس الذي أرادوا معارضته به ( فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا ) عند الألقاء ( بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ) يحتمل قولهم بعزة فرعون وجهين : الأول أنه قسم ، وجوابه إنا لنحن الغالبون ، والثاني متعلق بمحذوف ، والباء للسببية : أي نغلب بسبب عزته ، والمراد بالعزة العظمة ( فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ) قد تقدم تفسير هذا مستوفى . والمعنى : أنها تلقف ما صدر منهم من الإفك بإخراج الشئ عن صورته الحقيقية ( فألقي السحرة ساجدين ) أي لما شاهدوا ذلك وعلموا أنه صنع صانع حكيم ليس من صنيع البشر ولا من تمويه السحرة ، آمنوا بالله وسجدوا له وأجابوا دعوة موسى وقبلوا نبوته ، وقد تقدم بيان معنى ألقى ، ومن فاعله لوقوع التصريح به ، وعند سجودهم ( قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ) رب موسى عطف بيان لرب العالمين ، وأضافوه سبحانه إليهما لأنهما القائمان بالدعوة في تلك الحال . وفيه تبكيت لفرعون بأنه ليس برب ، وأن الرب في الحقيقة هو هذا ، فلما سمع فرعون ذلك منهم ورأى سجودهم لله ( ( قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ) أي بغير إذن مني ، ثم قال مغالطا للسحرة الذين آمنوا ، وموهما للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) وإنما اعترف له بكونه كبيرهم مع كونه لا يحب الاعتراف بشئ يرتفع به شأن موسى ، لأنه قد علم كل من حضر أن ما جاء به موسى أبهر مما جاءوا به السحرة ، فأراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم وإن كان قد فاق على ما فعله هؤلاء السحرة فهو فعل كبيرهم ومن هو أستاذهم الذي أخذوا عنه هذه الصناعة ، فلا تظنوا أنه فعل لا يقدر عليه البشر ، وأنه من فعل الرب الذي يدعو إليه موسى ، ثم توعد أولئك السحرة الذين آمنوا بالله لما قهرتهم حجة الله ، فقال ( فلسوف تعلمون ) أجمل التهديد أولا للتهويل ، ثم فصله فقال ( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين ) فلما سمعوا ذلك من قوله ( قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ) أي لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب الدنيا ، فإن ذلك يزول وننقلب بعده إلى ربنا فيعطينا من النعيم الدائم مالا يحد ولا يوصف . قال الهروي : لا ضير ولا ضرر ولا ضر بمعنى واحد ، وأنشد أبو عبيدة : فإنك لا يضرك بعد حول * أظبي كان أمك أم حمار قال الجوهري : ضاره يضوره ويضيره ضيرا وضورا : أي ضره . قال الكسائي : سمعت بعضهم يقول : لا ينفعني ذلك ولا يضورني ( إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ) ثم عللوا هذا بقولهم ( أنا كنا أول المؤمنين ) بنصب أن : أي لأن كنا أول المؤمنين . وأجاز الفراء والكسائي كسرها على أن يكون مجازاة ، ومعنى أول