الشوكاني

95

فتح القدير

الغالب القاهر لهؤلاء بالانتقام منهم مع كونه كثير الرحمة ، ولذلك أمهلهم ولم يعالجهم بالعقوبة ، أو المعنى : أنه منتقم من أعدائه رحيم بأوليائه ، وجملة ( وإذ نادى ربك موسى ) الخ مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، والعامل في الظرف محذوف تقديره : واتل إذ نادى أو أذكر ، والنداء : الدعاء ، و " أن " في قوله ( أن ائت القوم الظالمين ) يجوز أن تكون مفسرة ، وأن تكون مصدرية ، ووصفهم بالظلم لأنهم جمعوا بين الكفر الذي ظلموا به أنفسهم وبين المعاصي التي ظلموا بها غيرهم كاستعباد بني إسرائيل ، وذبح أبنائهم ، وانتصاب ( قوم فرعون ) على أنه بدل ، أو عطف بيان من القوم الظالمين ، ومعنى ( ألا يتقون ) ألا يخافون عقاب الله سبحانه فيصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته . وقيل المعنى : قل لهم ألا تتقون ، وجاء بالياء التحتية لأنهم غيب وقت الخطاب ، وقرأ عبيد بن عمير وأبو حازم " ألا تتقون " بالفوقية : أي قل لهم ذلك ، ومثله - قل للذين كفروا ستغلبون - بالتحتية والفوقية ( قال رب إني أخاف أن يكذبون ) أي قال موسى هذه المقالة ، والمعنى : أخاف أن يكذبوني في الرسالة ( ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ) معطوفان على أخاف : أي يضيق صدري لتكذيبهم إياي ، ولا ينطلق لساني بتأدية الرسالة ، قرأ الجمهور برفع - يضيق - ولا ينطلق بالعطف على أخاف كما ذكرنا ، أو على الاستئناف ، وقرأ يعقوب وعيسى بن عمر وأبو حيوة بنصبهما عطفا على يكذبون . قال الفراء : كلا القراءتين له وجه . قال النحاس الوجه : الرفع ، لأن النصب عطف على يكذبون وهذا بعيد ( فأرسل إلى هارون ) أي أرسل إليه جبريل بالوحي ليكون معي رسولا موازرا مظاهرا معاونا ، ولم يذكر الموازرة هنا لأنها معلومة من غير هذا الموضع كقوله في طه - واجعل لي وزيرا - ، وفي القصص - أرسله معي ردءا يصدقني - وهذا من موسى عليه السلام من باب طلب المعاونة له بإرسال أخيه ، لا من باب الاستعفاء من الرسالة ، ولا من التوقف عن المسارعة بالامتثال ( ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون ) الذنب هو قتله للقبطي ، وسماه ذنبا بحسب زعمهم : فخاف موسى أن يقتلوه به ، وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء ، ثم أجابه سبحانه بما يشتمل على نوع من الردع وطرف من الزجر ( قال كلا فاذهبا بآياتنا ) وفي ضمن هذا الجواب إجابة موسى إلى ما طلبه من ضم أخيه إليه كما يدل عليه توجيه الخطاب إليهما كأنه قال : ارتدع يا موسى عن ذلك واذهب أنت ومن استدعيته ولا تخف من القبط ( إنا معكم مستمعون ) وفي هذا تعليل للردع عن الخوف ، وهو كقوله سبحانه - إنني معكما أسمع وأرى - وأراد بذلك سبحانه تقوية قلوبهما وأنه متول لحفظهما وكلاءتهما وأجراهما مجرى الجمع ، فقال " معكم " لكون الاثنين أقل الجمع على ما ذهب إليه بعض الأئمة أو لكونه أراد موسى وهارون ومن أرسلا إليه ، ويجوز أن يكون المراد هما مع بني إسرائيل ، ومعكم ومستمعون خبران ، لأن ، أو الخبر مستمعون ، ومعكم متعلق به ، ولا يخفى ما في المعية من المجاز : لأن المصاحبة من صفات الأجسام ، فالمراد معية النصرة والمعونة ( فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، ووحد الرسول هنا ولم يثنه كما في قوله - إنا رسولا ربك - لأنه مصدر بمعنى رسالة ، والمصدر يوحد ، وأما إذا كان بمعنى المرسل فإنه يثنى مع المثنى ويجمع مع الجمع . قال أبو عبيدة : رسول بمعنى رسالة ، والتقدير على هذا : إنا ذوا رسالة رب العالمين ومنه قول الشاعر : ألا أبلغ أبا عمرو رسولا * فإني عن فتاحتكم غني أي رسالة . وقال العباس بن مرداس : ألا من مبلغ عنى خفافا * رسولا بيت أهلك منتهاها