الشوكاني

96

فتح القدير

أي رسالة . قال أبو عبيدة أيضا ، ويجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع ، تقول العرب : هذا رسولي ووكيلي ، وهذان رسولي ووكيلي ، وهؤلاء رسولي ووكيلي ، ومنه قوله تعالى - فإنهم عدو لي - وقيل معناه : إن كل واحد منا رسول رب العالمين ، وقيل إنهما لما كانا متعاضدين متساندين في الرسالة كانا بمنزلة رسول واحد ، و " أن " في قوله ( أن أرسل معنا بني إسرائيل ) مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول ( قال ألم نريك فينا وليدا ) أي قال فرعون لموسى بعد أن أتياه وقالا له ما أمرهما الله به ، ومعنى " فينا " أي في حجرنا ومنازلنا ، أراد بذلك المن عليه والاحتقار له : أي ربيناك لدينا صغيرا ولم نقتلك فيمن قتلنا من الأطفال ( ولبثت فينا من عمرك سنين ) فمتى كان هذا الذي تدعيه ؟ قيل لبث فيهم ثماني عشرة سنة ، وقيل ثلاثين سنة ، وقيل أربعين سنة . ثم قرر بقتل القبطي فقال ( وفعلت فعلتك التي فعلت ) الفعلة بفتح الفاء : المرة من الفعل ، وقرأ الشعبي " فعلتك " بكسر الفاء ، والفتح أولى لأنها للمرة الواحدة لا للنوع ، والمعنى : أنه لما عدد عليه النعم ذكر له ذنوبه ، وأراد بالفعل قتل القبطي ، ثم قال ( وأنت من الكافرين ) أي من الكافرين للنعمة حيث قتلت رجلا من أصحابي ، وقيل المعنى : من الكافرين بأن فرعون إله ، وقيل من الكافرين بالله في زعمه لأنه كان معهم على دينهم ، والجملة في محل نصب على الحال ( قال فعلتها إذن وأنا من الضالين ) أي قال موسى مجيبا لفرعون : فعلت هذه الفعلة التي ذكرت ، وهي قتل القبطي وأنا إذ ذاك من الضالين : أي الجاهلين ، فنفى عليه السلام عن نفسه الكفر ، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل قبل أن يأتيه العلم الذي علمه الله . وقيل المعنى : من الجاهلين أن تلك الوكزة تبلغ القتل . وقال أبو عبيدة : من الناسين ( فقررت منكم لما خفتكم ) أي خرجت من بينكم إلى مدين كما في سورة القصص ( فوهب لي ربي حكما ) أي نبوة أو علما وفهما . وقال الزجاج : المراد بالحكم تعليمه التوراة التي فيها حكم الله ( وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ) قيل هذا الكلام من موسى على جهة الإقرار بالنعمة كأنه قال نعم تلك التربية نعمة تمن بها علي ، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي ، وبهذا قال الفراء وابن جرير . وقيل هو من موسى على جهة الإنكار : أي أتمن علي بأن ربيتني وليدا وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم وهم قومي ؟ . قال الزجاج : المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار بأن يكون ما ذكر فرعون نعمة على موسى ، واللفظ لفظ خبر ، وفيه تبكيت للمخاطب على معنى : أنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم ، فكأنك تمن علي ما كان بلاؤك سببا له ، وذكر نحوه الأزهري بأبسط منه . وقال المبرد : يقول التربية كانت بالسبب الذي ذكرت من التعبيد : أي تربيتك إياي كانت لأجل التملك والقهر لقومي . وقيل إن في الكلام تقدير الاستفهام : أي أو تلك نعمة ؟ قاله الأخفش ، وأنكره النحاس . قال الفراء : ومن قال إن الكلام إنكار قال معناه : أو تلك نعمة ؟ ومعنى ( أن عبدت بني إسرائيل ) أن اتخذتهم عبيدا ، يقال عبدته وأعبدته بمعنى . كذا قال الفراء ، ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من نعمة ، والجر بإضمار الباء ، والنصب بحذفها . وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس ( فظلت أعناقهم لها خاضعين ) قال : ذليلين . وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ( ولهم علي ذنب ) قال قتل النفس . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ) قال : للنعمة ، إن فرعون لم يكن ليعلم ما الكفر ؟ ، وفي قوله ( فعلتها إذن وأنا من الضالين ) قال : من الجاهلين . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ( أن عبدت بني إسرائيل ) قال : قهرتهم واستعملتهم .