الشوكاني
90
فتح القدير
أي أمناء . قال القفال : وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل : اجعلنا حجة للمتقين ، ومثله البينة : يقال هؤلاء بينة فلان . قال النيسابوري : قيل في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن تطلب ويرغب فيها ، والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدى بهم ، والإشارة بقوله ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ) إلى المتصفين بتلك الصفات ، وهو مبتدأ وخبره ما بعده ، والجمل مستأنفة . وقيل إن " أولئك " وما بعده خبر لقوله - وعباد الرحمن - كذا قال الزجاج ، والغرفة : الدرجة الرفيعة ، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها ، وهي في الأصل لكل بناء مرتفع ، والجمع غرف . وقال الضحاك : الغرفة الجنة ، والباء في " بما صبروا " سببية ، وما مصدرية : أي يجزون الغرفة بسبب صبرهم على مشاق التكليف ( ويلقون فيها تحية وسلاما ) قرأ أبو بكر والمفضل والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف " يلقون " بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف ، واختار هذه القراءة الفراء ، قال : لأن العرب تقول : فلان يلقي بالسلام والتحية والخير ، وقل ما يقولون يلقى . وقرأ الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله - ولقاهم نضرة وسرورا - والمعنى : أنه يحي بعضهم بعضا ويرسل إليهم الرب سبحانه بالسلام ، قيل التحية البقاء الدائم والملك العظيم ، وقيل هي بمعنى السلام ، وقيل إن الملائكة تحييهم وتسلم عليهم ، والظاهر أن هذه التحية والسلام هي من الله سبحانه لهم ، ومن ذلك قوله سبحانه - تحيتهم يوم يلقونه سلام - وقيل معنى التحية : الدعاء لهم بطول الحياة . ومعنى السلام : الدعاء لهم بالسلامة من الآفات ، وانتصاب ( ( خالدين فيها ) على الحال : أي مقيمين فيها من غير موت ( حسنت مستقرا ومقاما ) أي حسنت الغرفة مستقرا يستقرون فيه ، ومقاما يقيمون به ، وهذا في مقابل ما تقدم من قوله : ساءت مستقرا ومقاما ( قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاؤكم ) بين سبحانه أنه غني عن طاعة الكل ، وإنما كلفهم لينتفعوا بالتكليف ، يقال ما عبأت بفلان : أي ما باليت به ولا له عندي قدر ، وأصل يعبأ من العبء ، وهو الثقل . قال الخليل : ما أعبأ بفلان : أي " ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ، ويدعى أن وجوده وعدمه سواء ، وكذا قال أبو عبيدة . قال الزجاج : " ما يعبأ بكم ربي " يريد : أي وزن يكون لكم عنده . والعبء : الثقل ، وما استفهامية أو نافية ، وصرح الفراء بأنها استفهامية . قال ابن الشجري : وحقيقة القول عندي أن موضع " ما " نصب والتقدير : أي : عبء يعبأ بكم أي أي مبالاة يبالي بكم ( لولا دعاؤكم ) : أي لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه ، وعلى هذا فالمصدر الذي هو الدعاء مضاف إلى مفعوله ، وهو اختيار الفراء ، وفاعله محذوف ، وجواب لولا محذوف : تقديره لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم ، ويؤيد هذا قوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون - والخطاب لجميع الناس ، ثم خص الكفار منهم فقال ( فقد كذبتم ) وقرأ ابن الزبير " فقد كذب الكافرون " وفي هذه القراءة دليل بين على أن الخطاب لجميع الناس . وقيل إن المصدر مضاف إلى الفاعل : أي لولا استغاثتكم إليه في الشدائد . وقيل المعنى : ما يعبأ بكم : أي بمغفرة ذنوبكم لولا دعاؤكم الآلهة معه . وحكى ابن جني أن ابن عباس قرأ كقراءة ابن الزبير . وحكى الزهراوي والنحاس أن ابن مسعود قرأ كقراءتهما ، وممن قال بأن الدعاء مضاف إلى الفاعل القتيبي والفارسي قالا : والأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه ، وجواب لولا محذوف تقديره على هذا الوجه : لولا دعاؤكم لم يعذبكم ، ويكون معنى " فقد كذبتم " على الوجه الأول فقد كذبتم بما دعيتم إليه ، وعلى الوجه الثاني : فقد كذبتم بالتوحيد . ثم قال سبحانه ( فسوف يكون لزاما ) أي فسوف يكون جزاء التكذيب لازما لكم ، وجمهور المفسرين على أن المراد بالزام هنا : ما لزم المشركين يوم بدر ، وقالت طائفة : هو عذاب الآخرة . قال أبو عبيدة : لزاما فيصلا : أي فسوف يكون فيصلا بينكم وبين المؤمنين . قال