الشوكاني
91
فتح القدير
الزجاج : فسوف يكون تكذيبكم لزاما يلزمكم فلا تعطون التوبة ، وجمهور القراء على كسر اللام من لزاما ، وأنشد أبو عبيدة لصخر : فاما ينجوا من خسف أرض * فقد لقيا حتوفهما لزاما قال ابن جرير لزاما : عذابا دائما وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ببعض ، كقول أبي ذؤيب : ففاجأه بعادية لزام * كما يتفجر الحوض اللفيف يعنى باللزام الذي يتبع بعضه بعضا ، وباللفيف المتساقط من الحجارة المنهدمة . وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال : سمعت أبا السماك يقرأ " لزاما " بفتح اللام . قال أبو جعفر يكون مصدر لزم ، والكسر أولى . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الذنب أكبر ؟ قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك ، فأنزل الله تصديق ذلك ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) " . وأخرجا وغيرهما أيضا عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ، ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزلت ( والذين لا يدعون ) الآية ، ونزلت - قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم - الآية . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو في قوله ( يلق أثاما ) قال : واد في جهنم . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) الآية اشتد ذلك على المسلمين ، فقالوا : ما منا أحد إلا أشرك وقتل وزنى ، فأنزل الله - يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم - الآية ، يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك ، ثم نزلت هذه الآية ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) فأبدلهم الله بالكفر الإسلام ، وبالمعصية الطاعة ، وبالإنكار المعرفة ، وبالجهالة العلم . وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنين ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) ثم نزلت ( إلا من تاب وآمن ) فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرح بشئ قط فرحه بها ، وفرحه - إنا فتحنا لك فتحا مبينا - وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) قال : هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات ، فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات ، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات . وأخرج أحمد وهناد والترمذي وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يؤتى بالرجل يوم القيامة ، فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه ، فيعرض عليه صغارها وينحى عنه كبارها ، فيقال : عملت يوم كذا كذا ، وهو يقر ، ليس ينكر ، وهو مشفق من الكبائر أن تجيء فيقال : أعطوه بكل سيئة عملها حسنة " والأحاديث في تكفير السيئات وتبديلها بالحسنات كثيرة . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( والذين لا يشهدون الزور ) قال : إن الزور كان صنما بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام ، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مروا به مروا كراما لا ينظرون إليه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) قال : يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعيننا في الدنيا والآخرة ( واجعلنا للمتقين إماما ) قال : أئمة هدى يهتدى بنا ولا تجعلنا أئمة ضلالة ، لأنه قال لأهل السعادة - وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا -