الشوكاني

32

فتح القدير

لما بين سبحانه من الأحكام ما بين أردف ذلك بكونه سبحانه في غاية الكمال فقال ( الله نور السماوات والأرض ) وهذه الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها ، والاسم الشريف مبتدأ ، ونور السماوات والأرض خبره ، إما على حذف مضاف : أي ذو نور السماوات والأرض ، أو لكون المراد المبالغة في وصفه سبحانه بأنه نور لكمال جلاله وظهور عدله وبسطه أحكامه ، كما يقال فلان نور البلد وقمر الزمن وشمس العصر ، ومنه قول النابغة : فإنك شمس والملوك كواكب * إذا ظهرت لم يبق فيهن كوكب وقول الآخر : هلا قصدت من البلاد لمفضل * قمر القبائل خالد بن يزيد ومن ذلك قول الشاعر : إذا سار عبد الله من مرو ليلة * فقد سار منها نورها وجمالها وقول الآخر : نسب كأن عليه من شمس الضحى * نورا ومن فلق الصباح عمودا ومعنى النور في اللغة : الضياء ، وهو الذي يبين الأشياء ويرى الأبصار حقيقة ما تراه ، فيجوز إطلاق النور على الله سبحانه على طريقه المدح ، ولكونه أوجد الأشياء المنورة وأوجد أنوارها ونورها ، ويدل على هذا المعنى قراءة زيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكي " الله نور السماوات والأرض " على صيغة الفعل الماضي ، وفاعله ضمير يرجع إلى الله ، والسماوات مفعوله ، فمعنى ( الله نور السماوات والأرض ) انه سبحانه صيرهما منيرتين باستقامة أحوال أهلهما وكمال تدبيره عز وجل لمن فيهما ، كما يقال الملك نور البلد ، هكذا قال الحسن ومجاهد والأزهري والضحاك والقرظي وابن عرفة وابن جرير وغيرهم ، ومثله قول الشاعر : وأنت لنا نور وغيث وعصمة * ونبت لمن يرجو نداك وريف وقال هشام الجواليقي وطائفة من المجسمة : إنه سبحانه نور لا كالأنوار ، وجسم لا كالأجسام ، وقوله ( مثل نوره ) مبتدأ وخبره ( كمشكاة ) أي صفة نوره الفائض عنه ، الظاهر على الأشياء كمشكاة ، والمشكاة الكوة في الحائط غير النافذة ، كذا حكاه الواحدي عن جميع المفسرين ، وحكاه القرطبي عن جمهورهم . ووجه تخصيص المشكاة أنها أجمع للضوء الذي يكون فيه من مصباح أو غيره ، وأصل المشكاة الوعاء يجعل فيه الشئ . وقيل المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة . وقال مجاهد - هي القنديل . والأول أولى ، ومنه قول الشاعر : * كأن عينيه مشكاتان في جحر * ثم قال ( فيها مصباح ) وهو السراج ( المصباح في زجاجة ) قال الزجاج : النور في الزجاج وضوء النار أبين منه في كل شئ وضوءه يزيد في الزجاج ، ووجه ذلك : أن الزجاج جسم