الشوكاني
33
فتح القدير
شفاف يظهر فيه النور أكمل ظهور . ثم وصف الزجاجة فقال ( الزجاجة كأنها كوكب دري ) أي منسوب إلى الدر لكون فيه من الصفاء والحسن ما يشابه الدر . وقال الضحاك : الكوكب الدري الزهرة . قرأ أبو عمرو " دري " بكسر الدال . قال أبو عمرو : لم أسمع أعرابيا يقول : إلا كأنه كوكب دري بكسر الدال ، أخذوه من درأت النجوم تدرأ إذا اندفعت . وقرأ حمزة بضم الدال مهموزا ، وأنكره الفراء والزجاج والمبرد . وقال أبو عبيد : إن ضممت الدال وجب أن لا تهمز ، لأنه ليس في كلام العرب . والدراري هي المشهورة من الكواكب كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت . ثم وصف المصباح بقوله ( يوقد من شجرة مباركة ) ومن هذه هي الابتدائية : أي ابتداء إيقاد المصباح منها ، وقيل هو على تقدير مضاف : أي يوقد من زيت شجرة مباركة ، والمباركة الكثيرة المنافع . وقيل المنماة ، والزيتون من أعظم الثمار نماء ، ومنه قول أبي طالب يرثى مسافر بن أبي عمرو ابن أمية بن عبد شمس : ليث شعري مسافر بن أبي عمرو * وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب كما * بورك نبع الرمان والزيتون قيل ومن بركتها أن أغصانها تورق من أسفلها إلى أعلاها ، وهي إدام ودهان ودباغ ووقود ، وليس فيها شئ إلا وفيه منفعة ، ثم وصفها بأنها ( لا شرقية ولا غربية ) . وقد اختلف المفسرون في معنى هذا الوصف ، فقال عكرمة وقتادة وغيرهم : إن الشرقية هي التي تصيبها الشمس إذا شرقت ، ولا تصيبها إذا غربت . والغربية هي التي تصيبها إذا غربت ، ولا تصيبها إذا شرقت . وهذه الزيتونة هي في صحراء بحيث لا يسترها عن الشمس شئ لا في حال شروقها ولا في حال غروبها ، وما كانت من الزيتون هكذا فثمرها أجود . وقيل إن المعنى : إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها ، فهي غير منكشفة من جهة الشرق ، ولا من جهة الغرب ، حكى هذا ابن جرير عن ابن عباس . قال ابن عطية : وهذا لا يصح عن ابن عباس ، لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها ، وذلك مشاهد في الوجود . ورجح القول الأول الفراء والزجاج . وقال الحسن : ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا ، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية . قال الثعلبي : قد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا ، لأن قوله زيتونة بدل من قوله شجرة . قال ابن زيد : إنها من شجر الشام ، فإن الشام لا شرقي ولا غربي ، والشام هي الأرض المباركة . وقد قرئ " توقد " بالتاء الفوقية على أن الضمير راجع إلى الزجاجة دون المصباح ، وبها قرأ الكوفيون . وقرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن عامر وأهل الشام وحفص ( يوقد ) بالتحتية مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال . وقرأ الحسن والسلمي وأبو عمرو بن العلاء وأبو جعفر ( توقد ) بالفوقية مفتوحة وفتح الواو وتشديد القاف وفتح الدال على أنه فعل ماض من توقد يتوقد ، والضمير في هاتين القراءتين راجع إلى المصباح . قال النحاس : وهاتان القراءتان متقاربتان لأنهما جمعا للمصباح ، وهو أشبه بهذا الوصف لأنه الذي ينير ويضيء ، وإنما الزجاجة وعاء له . وقرأ نصر بن عاصم كقراءة أبي عمرو ومن معه إلا أنه ضم الدال على أنه فعل مضارع ، وأصله تتوقد . ثم وصف الزيتونة بوصف آخر فقال ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) قرأ الجمهور " تمسسه " بالفوقية ، لأن النار مؤنثة . قال أبو عبيد : إنه لا يعرف إلا هذه القراءة . وحكى أبو حاتم أن السدي روى عن أبي مالك عن ابن عباس أنه قرأ ( يمسسه ) بالتحتية لكون تأنيث النار غير حقيقي . والمعنى : أن هذا الزيت في صفاته وإنارته يكاد