الشوكاني
30
فتح القدير
بصورة إرادتهن التعفف . وقيل إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب ، لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن ، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن ، وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه ، فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال ولا للحرام كما فيمن لا رغبة لها في النكاح ، والصغيرة فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن ، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن ، إلا أن يقال إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف ، وأنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن وهو بعيد ، فقد قال الحبر ابن عباس : إن المراد بالتحصن التعفف والتزوج ، وتابعه على ذلك غيره ، ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله ( لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ) وهو ما تكسبه الأمة بفرجها ، وهذا التعليل أيضا خارج مخرج الغالب ، والمعنى : أن هذا العرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب ، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلا لا يصدر مثله عن العقلاء ، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها ، إذا لم يكن مبتغيا بإكراهها عرض الحياة الدنيا . وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت كذلك ، لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهن ، وهذا يلاقي المعنى الأول ولا يخالفه ( ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) هذا مقرر لما قبله ومؤكد له ، والمعنى : أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات ، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير : فإن الله غفور رحيم لهن . قيل وفي هذا التفسير بعد ، لأن المكرهة على الزنا غير آثمة . وأجيب بأنها وإن كانت مكرهة ، فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة إما بحكم الجبلة البشرية ، أو يكون الإكراه قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار . وقيل إن المعنى : فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم : إما مطلقا ، أو بشرط التوبة . ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام ، شرع في وصف القرآن بصفات ثلاث : الأولى أنه آيات مبينات : أي واضحات في أنفسهن أو موضحات ، فتدخل الآيات المذكورة في هذه الصورة دخولا أوليا . والصفة الثانية كونه مثلا من الذين خلوا من قبل هؤلاء : أي مثلا كائنا من جهة أمثال الذين مضوا من القصص العجيبة ، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة ، فإن العجب من قصة عائشة رضي الله عنها ، هو كالعجب من قصة يوسف ومريم وما اتهما به ، ثم تبين بطلانه وبراءتهما سلام الله عليهما . والصفة الثالثة كونه ( موعظة ) ينتفع بها المتقون خاصة ، فيقتدون عليه بما فيه من الأوامر ، وينزجرون عما فيه من النواهي . وأما غير المتقين ، فإن الله قد ختم على قلوبهم ، وجعل على أبصارهم غشاوة عن سماع المواعظ ، والاعتبار بقصص الذين خلوا ، وفهم ما تشتمل عليه الآيات البينات . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وأنكحوا الأيامى ) الآية قال : أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه ، وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم ، ووعدهم في ذلك الغنى فقال ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق قال : أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى ، قال تعالى ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) . وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال : ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة ، وقد وعد الله فيها ما وعد ، فقال ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عنه نحوه من طريق أخرى . وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود نحوه . وأخرج البزار والدارقطني في العلل والحاكم وابن مردويه والديلمي من طريق عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أنكحوا النساء ، فإنهن يأتينكم بالمال " . وأخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود في مراسيله عن عروة مرفوعا إلى النبي