الشوكاني

29

فتح القدير

وقيل الكتاب ها هنا اسم عين للكتاب الذي يكتب فيه الشئ ، وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا ، فيكون المعنى الذين يطلبون كتاب المكاتبة . ومعنى المكاتبة في الشرع : أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما ، فإذا أداه فهو حر ، وظاهر قوله ( فكاتبوهم ) أن العبد إذا طلب الكتابة من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده ، وهو ( إن علمتم فيهم خيرا ) والخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه وإن لم يكن له مال ، وقيل هو المال فقط ، كما ذهب إليه مجاهد والحسن وعطاء والضحاك وطاوس ومقاتل . وذهب إلى الأول ابن عمر وابن زيد ، واختاره مالك ، والشافعي والفراء والزجاج . قال الفراء : يقول إن رجوتم عندهم وفاء وتأدية للمال . وقال الزجاج : لما قال " فيهم " كان الأظهر الاكتساب ، والوفاء وأداء الأمانة . وقال النخعي : إن الخير الدين والأمانة . وروى مثل هذا عن الحسن . وقال عبيدة السلماني : إقامة الصلاة . قال الطحاوي : وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا ، لأن العبد مال لمولاه فكيف يكون له مال ؟ قال : والمعنى عندنا إن علمتم فيهم الدين والصدق . قال أبو عمر بن عبد البر : من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال : إن علمتم فيهم مالا ، وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح والأمانة ، ولا يقال علمت فيه المال . هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم في الخبر المذكور في هذه الآية . وإذا تقرر لك هذا ، فاعلم أنه قد ذهب ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية من الوجوب عكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك : وأهل الظاهر ، فقالوا : يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك وعلم فيه خيرا . وقال الجمهور من أهل العلم : لا يجب ذلك ، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك ولم يجبر عليه ، فكذا الكتابة لأنها معاوضة . ولا يخفاك أن هذه حجة واهية وشبهة داحضة ، والحق ما قاله الأولون ، وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس واختاره ابن جرير . ثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين ، فقال ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) ففي هذه الآية الأمر للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة ، إما بأن يعطوهم شيئا من المال أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه ، وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار ، وقيل الثلث ، وقيل الربع ، وقيل العشر ، ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم ، وسياق الكلام معهم فإنهم المأمورون بالكتابة . وقال الحسن والنخعي وبريدة : إن الخطاب بقوله : وآتوهم لجميع الناس . وقال زيد بن أسلم : إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم كما في قوله سبحانه - وفي الرقاب - ، وللمكاتب أحكام معروفة إذا وفى ببعض مال الكتابة . ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك ، نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) والمراد بالفتيات هنا الإماء وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر . والبغاء : الزنا ، مصدر بغت المرأة تبغى بغاء إذا زنت ، وهذا مختص بزنا النساء ، فلا يقال للرجل إذا زنا إنه بغي ، وشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله ( إن أردن تحصنا ) لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادتهم للتحصن ، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها مكرهة على الزنا ، والمراد بالتحصن هنا : التعفف والتزوج . وقيل إن هذا القيد راجع إلى الأيامى . قال الزجاج والحسن بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير : أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم وإمائكم أن أردن تحصنا . وقيل هذا الشرط ملغى . وقيل إن هذا الشرط باعتبار ما كانوا عليه ، فإنهم كانوا يكرهونهن وهن يردن التعفف ، وليس لتخصص النهي