الشوكاني
28
فتح القدير
والخطاب في الآية للأولياء ، وقيل للأزواج ، والأول أرجح ، وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها ، وقد خالف في ذلك أبو حنيفة . واختلف أهل العلم في النكاح هل مباح ، أو مستحب ، أو واجب ؟ فذهب إلى الأول الشافعي وغيره ، وإلى الثاني مالك وأبو حنيفة ، وإلى الثالث بعض أهل العلم على تفصيل لهم في ذلك ، فقالوا : إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه وإلا فلا . والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك الخشية ، وبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح " ومن رغب عن سنتي فليس مني " ولكن مع القدرة عليه ، وعلى مؤنه كما سيأتي قريبا ، والمراد بالأيامي هنا الأحرار والحرائر ، وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله ( والصالحين من عبادكم وإمائكم ) قرأ الجمهور " عبادكم " وقرأ الحسن " عبيدكم " قال الفراء : ويجوز وإماءكم بالنصب برده على الصالحين ، والصلاح هو الإيمان . وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك ، وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه ، وإنما يزوجه مالكه . وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح . وقال مالك : لا يجوز . ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار فقال ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) أي لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل والمرأة أو أحدهما ، فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك . قال الزجاج : حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ، ولا يلزم أن يكون هذا حاصلا لكل فقير إذا تزوج فإن ذلك مقيد بالمشيئة . وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا . وقيل المعنى : إنه يغني يغنى النفس ، وقيل المعنى : إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا . والوجه الأول أولى ، ويدل عليه قوله سبحانه - وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء - فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك ، وجملة ( والله واسع عليم ) مؤكدة لما قبلها ومقررة لها ، والمراد أنه سبحانه ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه غني من يغنيه من عباده عليم بمصالح خلقه ، يغني من يشاء ويفقر من يشاء . ثم ذكر سبحانه حال العاجزين عن النكاح بعد بيان جواز مناكحتهم إرشادا لهم إلى ما هو الأولى فقال ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ) استعف طلب أن يكون عفيفا : أي ليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد نكاحا : أي سبب نكاح ، وهو المال . وقيل النكاح هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة كاللحاف اسم لما يلتحف به ، واللباس اسم لما يلبس ، وقيد سبحانه هذا النهي بتلك الغاية ، وهي ( حتى يغنيهم الله من فضله ) أي يرزقهم رزقا يستغنون به ويتمكنون بسببه من النكاح ، وفي هذه الآية ما يدل على تقييد ، الجملة الأولى : وهي إن يكونوا فقراء يغنهم الله بالمشيئة كما ذكرنا ، فإنه لو كان وعدا حتما لا محالة في حصوله لكان الغنى والزواج متلازمين ، وحينئذ لا يكون للأمر بالاستعفاف مع الفقر كثير فائدة ، فإنه سيغني عند تزوجه لا محالة ، فيكون في تزوجه مع فقره تحصيل للغنى ، إلا أن يقال : إن هذا الأمر بالاستعفاف للعاجز عن تحصيل مبادئ النكاح ، ولا ينافي ذلك وقوع الغنى له من بعد أن ينكح ، فإنه قد صدق عليه أنه لم يجد نكاحا إذا كان غير واجد لأسبابه التي يتحصل بها ، وأعظمها المال . ثم لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء ، أرشد المالكين إلى طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار فقال ( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ) الموصول في محل رفع على الابتداء ، ويجوز أن يكون في محل نصب على إضمار فعل يفسره ما بعده : أي وكاتبوا الذين يبتغون الكتاب : والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة ، يقال : كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة ، كما يقال قاتل يقاتل قتالا ومقاتلة :