الشوكاني

115

فتح القدير

أي نقصته ، ومنه قوله تعالى - وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون - ثم زاد سبحانه في البيان فقال ( وزنوا بالقسطاس المستقيم ) أي أعطوا الحق بالميزان السوي ، وقد مر بيان تفسير هذا في سورة سبحان ، وقد قرئ " بالقسطاس " مضموما ومكسورا ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) البخس النقص ، يقال بخسه حقه إذا نقصه : أي لا تنقصوا الناس حقوقهم التي لهم ، وهذا تعميم بعد التخصيص ، وقد تقدم تفسيره في سورة هود ، وتقدم أيضا تفسير ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) فيها وفي غيرها ( واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين ) قرأ الجمهور بكسر الجيم والباء وتشديد اللام ، وقرأ أبو حصين والأعمش والحسن والأعرج وشيبة بضمهما وتشديد اللام ، وقرأ السلمي بفتح الجيم مع سكون الباء ، والجبلة الخليقة قاله مجاهد وغيره : يعنى الأمم المتقدمة ، يقال : جبل فلان على كذا : أي خلق . قال النحاس : الخلق يقال له جبلة بكسر الحرفين الأولين وبضمهما مع تشديد اللام فيهما وبضم الجيم وسكون الباء وضمه فتحها ، قال الهروي : الجبلة والجبلة والجبل والجبل لغات ، وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس ، ومنه قوله تعالى - جبلا كثيرا - أي خلقا كثيرا ، ومن ذلك قول الشاعر : والموت أعظم حادث * فيما يمر على الجبلة ( قالوا إنما أنت من المسحرين . وما أنت إلا بشر مثلنا ) قد تقدم تفسيره مستوفى في هذه السورة ( وإن نظنك لمن الكاذبين ) إن هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر ، واللام هي الفارقة أي فيما تدعيه علينا من الرسالة ، وقيل هي النافية ، واللام بمعنى إلا : أي ما نظنك إلا من الكاذبين ، والأول أولى ( فأسقط علينا كسفا من السماء ) كان شعيب يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا ، فقالوا له هذا القول نعتا واستبعادا وتعجيزا . والكسف : القطعة . قال أبو عبيدة : الكسف جمع كسفة مثل سدر وسدرة . قال الجوهري : الكسفة القطعة من الشئ ، يقال : أعطني كسفة من ثوبك والجمع كسف ، وقد مضى تحقيق هذا في سورة سبحان ( إن كنت من الصادقين ) في دعواك ( قال ربي أعلم بما تعملون ) من الشرك والمعاصي ، فهو مجازيكم على ذلك إن شاء ، وفي هذا تهديد شديد ( فكذبوه ) فاستمروا على تكذيبه وأصروا على ذلك ( فأخذهم عذاب يوم الظلة ) والظلة السحاب ، أقامها الله فوق رؤوسهم فأمطرت عليهم نارا فهلكوا ، وقد أصابهم الله بما اقترحوا ، لأنهم إن أرادوا بالكسف القطعة من السحاب فظاهر ، وإن أرادوا بها القطعة من السماء فقد نزل عليهم العذاب من جهتها ، وأضاف العذاب إلى يوم الظلة لا إلى الظلة تنبيها على أن لهم في ذلك اليوم عذابا غير عذاب الظلة ، كذا قيل . ثم وصف سبحانه هذا العذاب الذي أصابهم بقوله ( إنه كان عذاب يوم عظيم ) لما فيه من الشدة عليهم التي لا يقادر قدرها وقد تقدم تفسير قوله ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ، وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) في هذه السورة مستوفى فلا نعيده ، وفي هذا التكرير لهذه الكلمات في آخر هذه القصص من التهديد والزجر والتقرير والتأكيد مالا يخفى على من يفهم مواقع الكلام ويعرف أساليبه . وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم ) قال : تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء . وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر عن عكرمة نحوه . وأخرجا أيضا عن قتادة ( إلا عجوزا في الغابرين ) قال : هي امرأة لوط غبرت في عذاب الله . وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد " ليكة " قال : هي الأيكة . وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر وابن عباس في قوله ( كذب أصحاب الأيكة المرسلين ) قال : كانوا أصحاب غيضة من ساحل البحر إلى