الشوكاني
116
فتح القدير
مدين ( إذ قال لهم شعيب ) ولم يقل أخوهم شعيب . لأنه لم يكن من جنسهم ( ألا تتقون ) كيف لا تتقون وقد علمتم أني رسول أمين لا تعتبرون من هلاك مدين وقد أهلكوا فيما يأتون . وكان أصحاب الأيكة مع ما كانوا فيه من الشرك استنوا بسنة أصحاب مدين ، فقال لهم شعيب ( إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم ) على ما أدعوكم إليه ( من أجر ) في العاجل من أموالكم ( إن أجرى إلا على رب العالمين - واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين ) يعنى القرون الأولين الذي أهلكوا بالمعاصي ولا تهلكوا مثلهم ( قالوا إنما أنت من المسحرين ) يعني من المخلوقين ( وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء ) يعني قطعا من السماء ( فأخذهم عذاب يوم الظلة ) أرسل الله إليهم سموما من جهنم ، فأطاف بهم سبعة أيام حتى أنضجهم الحر ، فحميت بيوتهم وغلت مياههم في الآبار والعيون فخرجوا من منازلهم ومحلتهم هاربين ، والسموم معهم ، فسلط الله عليهم الشمس من فوق رؤوسهم فغشيتهم حتى تقلقلت فيها جماجمهم ، وسلط الله عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم ، ثم نشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء ، فلما رأوها ابتدروها يستغيثون بظلها حتى إذا كانوا جميعا أطبقت عليهم فهلكوا ونجى الله شعيبا والذين آمنوا معه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال ( الجبلة الأولين ) الخلق الأولين . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عنه أيضا أنه سئل عن قوله ( فأخذهم عذاب يوم الظلة ) قال : بعث الله عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم ، فدخلوا أجواف البيوت فدخل عليهم أجوافها فأخذ بأنفسهم ، فخرجوا من البيوت هربا إلى البرية ، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا ولذة ، فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقط الله عليهم نارا ، فذلك عذاب يوم الظلة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عنه أيضا قال من حدثك من العلماء عذاب يوم الظلة فكذبه . أقول : فما نقول له رضي الله عنه فيما حدثنا به من ذلك مما نقلناه عنه هاهنا ؟ ويمكن أن يقال إنه لما كان هو البحر الذي علمه الله تأويل كتابه بدعوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كان مختصا بمعرفة هذا الحديث دون غيره من أهل العلم ، فمن حدث بحديث عذاب الظلة على وجه غير هذا الوجه الذي حدثنا به فقد وصانا بتكذيبه ، لأنه قد علمه ولم يعلمه غيره .