الشوكاني

114

فتح القدير

ذكر سبحانه القصة السادسة من قصص الأنبياء مع قومهم ، وهي قصة لوط . وقد تقدم تفسير قوله ( إذ قال لهم ) إلى قوله ( إلا على رب العالمين ) في هذه السورة ، وتقدم أيضا تفسير قصة لوط مستوفى في الأعراف ، قوله ( أتأتون الذكران من العالمين ) الذكران جمع الذكر ضد الأنثى ، ومعنى تأتون : تنكحون الذكران من العالمين ، وهم بنو آدم ، أو كل حيوان ، وقد كانوا يفعلون ذلك بالغرباء على ما تقدم في الأعراف ( وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم ) أي وتتركون ما خلقه الله لأجل استمتاعكم به من النساء ، وأراد بالأزواج جنس الإناث ( بل أنتم قوم عادون ) أي مجاوزون للحد في جميع المعاصي ، ومن جملتها هذه المعصية التي ترتكبونها من الذكران ( قالوا لئن لم تنته يا لوط ) عن الإنكار علينا وتقبيح أمرنا ( لتكونن من المخرجين ) من بلدنا المنفيين عنها ( قال إني لعملكم ) وهو ما أنتم فيه من إتيان الذكران ( من القالين ) المبغضين له ، والقلي البغض ، قليته أقليه قلا وقلاء ، ومنه قول الشاعر : * فلست بمقلي الخلال ولا قالي * وقال الآخر : * ومالك عندي إن نأيت قلاء * ثم رغب عليه الصلاة والسلام عن محاورتهم ، وطلب من الله عز وجل أن ينجيه فقال ( رب نجني وأهلي مما يعملون ) أي من عملهم الخبيث ، أو من عقوبته التي ستصيبهم ، فأجاب الله سبحانه دعاءه ، وقال ( فنجيناه وأهله أجمعين ) أي أهل بيته ، ومن تابعه على دينه ، وأجاب دعوته ( إلا عجوزا في الغابرين ) هي امرأة لوط ، ومعنى من الغابرين : من الباقين في العذاب . وقال أبو عبيدة : من الباقين في الهرم : أي بقيت حتى هرمت . قال النحاس : يقال للذاهب غابر وللباقي غابر . قال الشاعر : لا تكسع الشول بأغبارها * إنك لا تدري من الناتج والأغبار بقية الألبان ، وتقول العرب : ما مضى وما غبر : أي ما مضى وما بقي ( ثم دمرنا الآخرين ) أي أهلكناهم بالخسف والحصب ( وأمطرنا عليهم مطرا ) يعنى الحجارة ( فساء مطر المنذرين ) المخصوص بالذم محذوف ، والتقدير مطرهم ، وقد تقدم تفسير ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) في هذه السورة ( كذب أصحاب الأيكة المرسلين ) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر " ليكة " بلام واحدة وفتح التاء جعلوه اسما غير معرف بأل مضافا إليه أصحاب ، وقرأ الباقون " الأيكة " معرفا ، والأيكة الشجر الملتف ، وهي الغيضة ، وليكة اسم للقرية ، وقيل هما بمعنى واحد اسم للغيضة . قال القرطبي : فأما ما حكاه أبو عبيد من أن ليكة اسم القرية التي كانوا فيها ، وأن الأيكة اسم البلد كله ، فشئ لا يثبت ولا يعرف من قاله ولو عرف لكان فيه نظر ، لأن أهل العلم جميعا على خلافه . قال أبو علي الفارسي : الأيكة تعريف أيكة ، فإذا حذفت الهمزة تخفيفا ألقيت حركتها على اللام . قال الخليل : الأيكة غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر ( إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ) لم يقل أخوهم كما قال في الأنبياء قبله ، لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب ، فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم ، وقد مضى تحقيق نسبه في الأعراف ، وقد تقدم تفسير قوله ( إني لكم رسول أمين ) إلى قوله تعالى ( إلا على رب العالمين ) في هذه السورة . قوله ( أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ) أي أتموا الكيل لمن أراده وعامل به ، ولا تكونوا من المخسرين : الناقضين للكيل والوزن ، يقال أخسرت الكيل والوزن :