الشوكاني

67

فتح القدير

سورة الرعد ( 8 - 11 ) قوله ( وإن تعجب فعجب قولهم ) أي إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم من الصادقين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث ، والله تعالى لا يجوز عليه التعجب ، لأنه تغير النفس بشئ تخفى أسبابه وإنما ذكر ذلك ليعجب منه رسوله وأتباعه . قال الزجاج : أي هذا موضوع عجب أيضا أنهم أنكروا البعث ، وقد بين لهم من خلق السماوات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة ، وقيل الآية في منكري الصانع : أي إن تعجب من إنكارهم الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بد له من مغير ، فهو محل التعجب ، والأول أولى لقوله ( أإذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ) وهذه الجملة في محل رفع على البدلية من قولهم ، ويجوز أن تكون في محل نصب على أنها مقول القول والعجب على الأول كلامهم ، وعلى الثاني تكلمهم بذلك ، والعامل في " إذا " ما يفيده قوله ( أئنا لفي خلق جديد ) وهو نبعث أو نعاد ، والاستفهام منهم للإنكار المفيد لكمال الاستبعاد ، وتقديم الظرف في قوله ( لفي خلق ) لتأكيد الإنكار بالبعث ، وكذلك تكرير الهمزة في قوله : أئنا . ثم لما حكى الله سبحانه ذلك عنهم حكم عليهم بأمور ثلاثة : الأول ( أولئك الذين كفروا بربهم ) أي أولئك المنكرون لقدرته سبحانه على البعث هم المتمادون في الكفر الكاملون فيه . والثاني ( وأولئك الأغلال في أعناقهم ) الأغلال : جمع غل ، وهو طوق تشد به اليد إلى العنق : أي يغلون بها يوم القيامة . وقيل الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم لزوم الأطواق للأعناق : والثالث ( وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) لا ينفكون عنها بحال من الأحوال ، وفى توسيط ضمير الفصل دلالة على تخصيص الخلود بمنكري البعث ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ) السيئة العقوبة المهلكة ، والحسنة : العافية والسلامة ، قالوا هذه المقالة لفرط إنكارهم وشدة تصميمهم وتهالكهم على الكفر ، وقيل معنى الآية : أنهم طلبوا العقوبة قبل الحسنة ، وهى الإيمان ( وقد خلت من قبلهم المثلات ) قرأ الجمهور " مثلات " بفتح الميم وضم المثلثة جمع مثلة كسمرة ، وهى العقوبة . قال ابن الأنباري : المثلة العقوبة التي تبقى في المعاقب شينا بتغيير بعض خلقه من قولهم : مثل فلان بفلان إذا شان خلقه بقطع أنفه وسمل عينيه وبقر بطنه . وقرأ الأعمش بفتح الميم وإسكان المثلثة تخفيفا لثقل الضمة ، وفى لغة تميم بضم الميم والمثلثة جميعا ، واحدتها على لغتهم : مثلة ، بضم الميم وسكون المثلثة مثل غرفة وغرفات . وحكى عن الأعمش في رواية أخرى أنه قرا هذا الحرف بضمها على لغة تميم . والمعنى : أن هؤلاء يستعجلونك بإنزال العقوبة بهم ، وقد مضت من قبلهم عقوبات أمثالهم من المكذبين ، فما لهم لا يعتبرون بهم ويحذرون من حلول ما حل بهم ، والجملة في محل نصب على الحال ، وهذا الاستعجال من هؤلاء هو على طريقة الاستهزاء كقولهم ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ) الآية ( وإن ربك لذو مغفرة ) أي لذو تجاوز عظيم ( للناس على ظلمهم ) أنفسهم باقترافهم الذنوب ووقوعهم في المعاصي إن تابوا عن ذلك ، ورجعوا إلى الله سبحانه ، والجار