الشوكاني
68
فتح القدير
والمجرور : أي على ظلمهم في محل نصب على الحال أي حال كونهم ظالمين ، وعلى بمعنى مع : أي مع ظلمهم وفى الآية بشارة عظيمة ورجاء كبير ، لأن من المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائبا ، ولهذا قيل إنها في عصاة الموحدين خاصة ، وقيل المراد بالمغفرة هنا تأخير العقاب إلى الآخرة ليطابق ما حكاه الله من استعجال الكفار للعقوبة ، وكما تفيده الجملة المذكورة بعد هذه الآية ، وهى ( وإن ربك لشديد العقاب ) يعاقب العصاة المكذبين من الكافرين عقابا شديدا على ما تقتضيه مشيئته في الدار الآخرة ( ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ) أي هلا أنزل عليه آية غير ما قد جاء به من الآيات ، وهؤلاء الكفار القائلون هذه المقالة هم المستعجلون للعذاب . قال الزجاج : طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى ، فقال الله تعالى ( إنما أنت منذر ) تنذرهم بالنار ، وليس إليك من الآيات شئ انتهى ، وهذا مكابرة من الكفار وعناد ، وإلا فقد أنزل الله على رسوله من الآيات ما يغني البعض منه وجاء في - إنما أنت منذر - بصيغة الحصر لبيان أنه صلى الله عليه وآله وسلم مرسل لإنذار العباد ، وبيان ما يحذرون عاقبته ، وليس عليه غير ذلك ، وقد فعل ما هو عليه ، وأنذر أبلغ إنذار ، ولم يدع شيئا مما يحصل به ذلك إلا أتى به وأوضحه وكرره ، فجزاه الله عن أمته خيرا ( ولكل قوم هاد ) أي نبي يدعوهم إلى ما فيه هدايتهم ورشادهم ، وإن لم تقع الهداية لهم بالفعل ولم يقبلوها ، وآيات الرسل مختلفة هذا يأتي بآية أو آيات لم يأت بها الآخر بحسب ما يعطيه الله منها ، ومن طلب من بعضهم ما جاء به البعض الآخر فقد بلغ في التعنت إلى مكان عظيم ، فليس المراد من الآيات إلا الدلالة على النبوة لكونها معجزة خارجة عن القدرة البشرية ، وذلك لا يختص بفرد منها ، ولا بأفراد معينة . وقيل إن المعنى ولكل قوم هاد ، وهو الله عز وجل فإنه القادر على ذلك ، وليس على أنبيائه إلا مجرد الإنذار ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان إحاطته بالعلم سبحانه ، وعلمه بالغيب الذي هذه الأمور المذكورة منه . قيل ويجوز أن يكون الاسم الشريف خبرا لمبتدأ محذوف : أي ولكل قوم هاد وهو الله ، وجملة ( يعلم ما تحمل كل أنثى ) تفسير لهاد على الوجه الأخير . وهذا بعيد جدا ، وما موصولة : أي يعلم الذي تحمله كل أنثى في بطنها من علقة ، أو مضغة ، أو ذكر ، أو أنثى ، أو صبيح ، أو قبيح ، أو سعيد ، أو شقي . ويجوز أن تكون استفهامية : أي يعلم أي شئ في بطنها ، وعلى أي حال هو . ويجوز أن تكون مصدرية : أي يعلم حملها ( وما تغيض الأرحام وما تزداد ) الغيض النقص : أي يعلم لذي تغيضه الأرحام : أي تنقصه ، ويعلم ما تزداده . فقيل المراد نقص خلقة الحمل وزيادته كنقص أصبع أو زيادتها : وقيل إن المراد نقص مدة الحمل على تسعة أشهر ، أو زيادتها ، وقيل إذا حاضت المرأة في حال حملها كان ذلك نقصا في ولدها ، وقيل الغيض : ما تنقصه الأرحام من الدم ، والزيادة ما تزداده منه ، و " ما في ما تغيض وما تزداد تحتمل الثلاثة الوجوه المتقدمة في ما تحمل كل أنثى ( وكل شئ عنده بمقدار ) أي كل شئ من الأشياء التي من جملتها الأشياء المذكورة عند الله سبحانه بمقدار ، والمقدار : القدر الذي قدره الله ، وهو معنى قوله سبحانه - إنا كل شئ خلقناه بقدر - أي كل الأشياء عند الله سبحانه جارية على قدره الذي قد سبق وفرغ منه ، لا يخرج عن ذلك شئ ( عالم الغيب والشهادة ) أي عالم كل غائب عن الحس ، وكل مشهود حاضر ، أو كل معدوم وموجود ولا مانع من حمل الكلام على ما هو أعم من ذلك ( الكبير المتعال ) أي العظيم الذي كل شئ دونه ، المتعالى عما يقوله المشركون ، أو المستعلى على كل شئ بقدرته وعظمته وقهره ، ثم لما ذكر سبحانه أنه يعلم تلك المغيبات لا يغادره شئ منها ، بين أنه عالم بما يسرونه في أنفسهم وما يجهرون به لغيره ، وأن ذلك لا يتفاوت عنده فقال ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ) فهو يعلم ما أسره الإنسان كعلمه بما جهر به من خير وشر وقوله منكم متعلق