الشوكاني
60
فتح القدير
مع ذلك يشركون . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال : كانوا يشركون به في تلبيتهم يقولون لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في الآية قال : ذلك المنافق يعمل بالرياء وهو مشرك بعمله . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( غاشية من عذاب الله ) قال : وقيعة تغشاهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( هذه سبيلي ) قل هذه دعوتي . وأخرج أبو الشيخ عنه ( قل هذه سبيلي ) قال : صلاتي . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال : أمري ومشيئتي ومنهاجي ، وأخرجا عن قتادة في قوله ( على بصيرة ) أي على هدى ( أنا ومن اتبعني ) : سورة يوسف الآية ( 109 - 111 ) . قوله ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ) هذا رد على من قال - لولا أنزل عليه ملك - : أي لم نبعث من الأنبياء إلى من قبلهم إلا رجالا لا ملائكة ، فكيف ينكرون إرسالنا إياك . وتدل الآية على أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء ولا من الجن ، وهذا يرد على من قال : إن في النساء أربع نبيات : حواء ، وآسية ، وأم موسى ، ومريم . وقد كان بعثة الأنبياء من الرجال دون النساء أمرا معروفا عند العرب ، حتى قال قيس بن عاصم في سجاح المتنبئة : أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها * وأصبحت أنبياء الله ذكرانا فلعنة الله والأقوام كلهم * على سجاح ومن باللوم أغرانا ( نوحي إليهم ) كما نوحي إليك ( من أهل القرى ) أي المدائن دون أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على البدو ولكون أهل الأمصار أتم عقلا وأكمل حلما وأجل فضلا ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) يعنى المشركين المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم : أي أفلم يسر المشركون هؤلاء فينظروا إلى مصارع الأمم الماضية فيعتبروا بهم حتى ينزعوا عما هم فيه من التكذيب ( ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ) أي لدار الساعة الآخرة ، أو الحالة الآخرة على حذف الموصوف . وقال الفراء : إن الدار هي الآخرة ، وأضيف الشئ إلى نفسه لاختلاف اللفظ كيوم الجمعة وصلاة الأولى ومسجدا لجامع ، والكلام في ذلك مبين في كتب الإعراب ، والمراد بهذه الدار : الجنة : أي هي خير للمتقين من دار الدنيا . وقرئ وللدار الآخرة " وقرأ نافع وعاصم ويعقوب ( أفلا تعقلون ) بالتاء الفوقية على الخطاب . وقرأ الباقون بالتحتية ( حتى إذا استيأس الرسل ) هذه الغاية لمحذوف دل عليه الكلام ، وتقديره : وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا ولم نعاجل له أممهم الذين لم