الشوكاني
61
فتح القدير
يؤمنوا بما جاءوا به بالعقوبة ( حتى إذا استيأس الرسل ) من النصر بعقوبة قومهم ، أو حتى إذ استيأس الرسل من إيمان قومهم لانهماكهم في الكفر ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) . قرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو جعفر بن القعقاع والحسن وقتادة وأبو رجاء العطاردي وعاصم وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف " كذبوا " بالتخفيف : أي ظن القوم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب ولم يصدقوا - وقيل المعنى : ظن القوم أن الرسل قد كذبوا فيما ادعوا من نصرهم ، وقيل المعنى : وظن الرسل أنها قد كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون عليهم ، أو كذبهم رجاؤهم للنصر . وقرأ الباقون " كذبوا " بالتشديد ، والمعنى عليها واضح : أي ظن الرسل بأن قومهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به من العذاب ، ويجوز في هذا أن يكون فاعل ظن القوم المرسل إليهم على معنى أنهم ظنوا أن الرسل قد كذبوا فيما جاءوا به من الوعد والوعيد . وقرأ مجاهد وحميد " قد كذبوا " بفتح الكاف والذال مخففتين على معنى : وظن قوم الرسل أن الرسل قد كذبوا ، وقد قيل إن الظن في هذه الآية بمعنى اليقين ، لأن الرسل قد تيقنوا أن قومهم كذبوهم ، وليس ذلك مجرد ظن منهم . والذي ينبغي أن يفسر الظن باليقين في مثل هذه الصورة ويفسر بمعناه الأصلي فيما يحصل فيه مجرد ظن فقط من الصور السابقة ( جاءهم نصرنا ، أي فجاء الرسل نصر الله سبحانه فجأة . أو جاء قوم الرسل الذين كذبوهم نصر الله لرسله بإيقاع العذاب على المكذبين ( فننجي من نشاء ) قرأ عاصم " فنجى " بنون واحدة . وقرأ الباقون " فننجى " بنونين . واختار أبو عبيدة القراءة الأولى ، لأنها في مصحف عثمان كذلك . وقرأ ابن محيصن " فنجا " على البناء للفاعل ، فتكون من على القراءة الأولى في محل رفع على أنها نائب الفاعل ، وتكون على القراءة الثانية في محل نصب على أنها مفعول ، وعلى القراءة الثالثة في محل رفع على أنها فاعل ، والذين نجاهم الله هم الرسل ومن آمن معهم . وهلك المكذبون ( ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) عند نزوله بهم . وفيه بيان من يشاء الله نجاته من العذاب وهم من عدا هؤلاء المجرمين ( لقد كان في قصصهم ) أي قصص الرسل ومن بعثوا إليه من الأمم ، أو في قصص يوسف وإخوته وأبيه ( عبرة لأولي الألباب ) والعبرة : الفكرة والبصيرة المخلصة من الجهل والحيرة . وقيل هي نوع من الاعتبار ، وهى العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول ، وأولوا الألباب هم ذوو العقول السليمة الذين يعتبرون بعقولهم فيدرون ذلك ما فيه مصالح دينهم ، وإنما كان هذا القصص عبرة لما اشتمل عليه من الإخبارات المطابقة للواقع مع بعد المدة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين الرسل الذين قص حديثهم . ومنهم يوسف وإخوته وأبوه مع كونه لم يطلع على أخبارهم ولا اتصل بأحبارهم ( ما كان حديثا يفترى ) أي ما كان هذا المقصوص الذي يدل عليه ذكر القصص وهو القرآن المشتمل على ذلك حديثا يفترى ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) أي ما قبله من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور . وقرئ برفع " تصديق " على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هو تصديق وتفصيل كل شئ من الشرائع المجملة المحتاجة إلى تفصيلها ، لأن الله سبحانه لم يفرط في الكتاب من شئ ، وقيل تفصيل كل شئ من قصة يوسف مع إخوته وأبيه . قيل وليس المراد به ما يقتضيه من العموم ، بل المراد به الأصول والقوانين وما يؤول إليها ( وهدى ) في الدنيا يهتدى به كل من أراد الله هدايته ( ورحمة ) في الآخرة يرحم الله بها عباده العاملين بما فيه شرط الإيمان الصحيح . ولهذا قال ( لقوم يؤمنون ) أي يصدقون به وبما تضمنه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائعه وقدره . وأما من عداهم فلا ينتفع به ولا يهتدى بما اشتمل عليه من الهدى ، فلا يستحق ما يستحقونه .