الشوكاني

59

فتح القدير

من جبالها وقفارها وبحارها ونباتها وحيواناتها تدلهم على توحيد الله سبحانه ، وأنه الخالق لذلك ، الرزاق له المحيى والمميت ، ولكن أكثر الناس يمرون على هذه الآيات غير متأملين لها ، ولا مفكرين فيها ، ولا ملتفتين إلى ما تدل عليه من وجود خالقها ، وأنه المتفرد بالألوهية مع كونهم مشاهدين لها ( يمرون عليها وهم عنها معرضون ) وإن نظروا إليها بأعيانهم فقد أعرضوا عما هو الثمرة للنظر بالحدقة ، وهى التفكر والاعتبار والاستدلال . وقرأ عكرمة وعمرو بن فايد برفع الأرض على أنه مبتدأ . وخبره يمرون عليها . وقرأ السدي بنصب الأرض بتقدير فعل . وقرأ ابن مسعود " يمشون عليها " ( وما يؤمن أكثرهم بالله ) أي وما يصدق ويقر أكثر الناس بالله من كونه الخالق الرزاق المحيى المميت ( إلا وهم مشركون ) بالله يعبدون معه غيره كما كانت تفعله الجاهلية ، فإنهم مقرون بالله سبحانه وبأنه الخالق لهم - ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ، ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله - لكنهم كانوا يثبتون له شركاء فيعبدونهم ليقربوهم إلى الله - إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله - ومثل هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله المعتقدون في الأموات بأنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه كما يفعله كثير من عباد القبور ، ولا ينافي هذا ما قيل من أن الآية نزلت في قوم مخصوصين فالاعتبار بما يدل عليه اللفظ لا بما يفيده السبب من الاختصاص بمن كان سببا لنزول الحكم ( أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله ) الاستفهام للإنكار . والغاشية ما يغشاهم ويغمرهم من العذاب كقوله تعالى - يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم - وقيل هي الساعة . وقيل الصواعق والقوارع ، ولا مانع من الحمل على العموم ( أو تأتيهم الساعة بغتة ) أي فجأة ، وانتصاب بغتة على الحال . قال المبرد : جاء عن العرب حال بعد نكرة ، وهو قولهم وقع أمر بغتة . يقال بغتهم الأمر بغتا وبغتة : إذا فاجأهم ( وهم لا يشعرون ) بإتيانه ، ويجوز انتصاب بغتة على أنها صفة مصدر محذوف ( قل هذه سبيلي ) أي قل يا محمد للمشركين هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها سبيلي : أي طريقتي وسنتي . فاسم الإشارة مبتدأ وخبره سبيلي ، وفسر ذلك بقوله ( أدعو إلى الله على بصيرة ) أي على حجة واضحة . والبصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل والجملة في محل نصب على الحال ( أنا ومن اتبعني ) أي ويدعو إليها من اتبعني واهتدى بهديي . قال الفراء : والمعنى ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو . وفى هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حق عليه أن يقتدى به في الدعاء إلى الله : أي الدعاء إلى الإيمان به وتوحيده والعمل بما شرعه لعباده ( وسبحان الله وما أنا من المشركين ) أي وقل يا محمد لهم سبحان الله وما أنا من المشركين بالله الذين يتخذون من دونه أندادا . قال ابن الأنباري : ويجوز أن يتم الكلام عند قوله ( ادعوا إلى الله ) ثم ابتدأ . فقال ( على بصيرة أنا ومن اتبعني ) . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ) قال : هم بنو يعقوب إذ يمكرون بيوسف . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في الآية يقول : وما كنت لديهم وهم يلقونه في غيابة الجب وهم يمكرون بيوسف . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ( وكأين من آية ) قال : كم من آية في السماء يعنى شمسها وقمرها ونجومها وسحابها ، وفى الأرض ما فيها من الخلق والأنهار والجبال والمدائن والقصور . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) قال : سلهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فسيقولون الله ، فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء في قوله ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) قال : كانوا يعلمون أن الله ربهم وهو خالقهم وهو رازقهم ، وكانوا