الشوكاني

501

فتح القدير

الكريم ) فكيف لا يكون إلها وربا ، لما هو دون العرش الكريم من المخلوقات ، ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة والخير منه ، أو باعتبار من استوى عليه ، كما يقال بيت كريم : إذا كان ساكنوه كراما . قرأ أبو جعفر وابن محيصن وإسماعيل وأبان بن ثعلب " الكريم " بالرفع على أنه نعت لرب ، وقرأ الباقون بالجر على أنه نعت للعرش . ثم زيف ما عليه أهل الشرك توبيخا لهم وتقريعا فقال ( ومن يدع مع الله إلها آخر ) يعبده مع الله أو يعبده وحده ، وجملة ( لا برهان له به ) في محل نصب صفة لقوله إلها ، وهى صفة لازمة جئ بها للتأكيد ، كقوله " يطير بجناحيه " والبرهان : الحجة الواضحة والدليل الواضح ، وجواب الشرط قوله ( فإنما حسابه عند ربه ) وجملة لا برهان له به معترضة بين الشرط والجزاء ، كقولك : من أحسن إلى زيد لا أحق منه بالإحسان ، فالله مثيبه ، وقيل إن جواب الشرط قوله : لا برهان له به على حذف فاء الجزاء كقول الشاعر : * من يفعل الحسنات الله يشكرها * ( إنه لا يفلح الكافرون ) قرأ الحسن وقتادة بفتح " أن " على التعليل ، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف ، وقرأ الحسن " لا يفلح " بفتح الياء واللام مضارع فلح بمعنى أفلح . ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعوه بالمغفرة والرحمة فقال ( وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ) أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته ، وقيل أمره بالاستغفار لأمته . وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين ، ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته . وقد أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : إذا أدخل الكافر في قبره فيرى مقعده من النار ( قال رب ارجعون ) أتوب أعمل صالحا ، فيقال له قد عمرت ما كنت معمرا ، فيضيق عليه قبره ، فهو كالمنهوش ينازع ويفزع تهوى إليه حياة الأرض وعقاربها . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال : زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة : إن المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا : نرجعك إلى الدنيا ، فيقول : إلى دار الهموم والأحزان ، بل قدما إلى الله ، وأما الكافر فيقولون له : نرجعك ، فيقول : رب ارجعون ( لعلى أعمل صالحا فيما تركت ) وهو مرسل . وأخرج الديلمي عن جابر بن عبد الله قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شئ يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه ، فعند ذلك يقول : رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت " . وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله ( أعمل صالحا ) قال : أقول لا إله إلا الله . وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت : ويل لأهل المعاصي من أهل القبور ، يدخل عليهم في قبورهم حياة سود ، حية عند رأسه وحية عند رجليه ، يقرصانه حتى تلتقيا في وسطه ، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله ( ومن وراءهم برزخ إلى يوم يبعثون ) . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) قال : حين نفخ في الصور ، فلا يبقى حي إلا الله . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أنه سئل عن قوله ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) وقوله " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " فقال : إنها مواقف ، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى ولا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا ، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون . وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عنه أيضا أنه سئل عن الآيتين فقال : أما قوله ( ولا يتساءلون ) فهذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شئ ، وأما قوله ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) فإنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون . وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن مسعود قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين