الشوكاني
500
فتح القدير
الباقون بكسرها . وفرق بينهما أبو عمرو فجعل الكسر من جهة الهزو ، والضم من جهة السخرية . قال النحاس : ولا يعرف هذا الفرق الخليل ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفراء ، وحكى الثعلبي عن الكسائي : أن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول ، والضم بمعنى التسخير والاستبعاد بالفعل ( حتى أنسوكم ذكرى ) أي اتخذتموهم سخريا إلى هذه الغاية فإنهم نسوا ذكر الله لشدة اشتغالهم بالاستهزاء ( وكنتم منهم تضحكون ) في الدنيا ، والمعنى : حتى نسيتم ذكري باشتغالكم بالسخرية والضحك ، فنسب ذلك إلى عباده المؤمنين لكونهم السبب ، وجملة ( إني جزيتهم اليوم بما صبروا ) مستأنفة لتقرير ما سبق ، والباء في بما صبروا للسببية ( أنهم هم الفائزون ) قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة على الاستئناف ، وقرأ الباقون بالفتح : أي لأنهم الفائزون ، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه المفعول الثاني للفعل ( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين القائل هو الله عز وجل وتذكيرا لهم كم لبثوا ؟ لما سألوا الرجوع إلى الدنيا بعد أن أخبرهم بأن ذلك غير كائن كما في قوله : اخسئوا فيها ، والمراد بالأرض هي الأرض التي طلبوا الرجوع إليها ، ويحتمل أن يكون السؤال عن جميع ما لبثوه في الحياة وفى القبور ، وقيل هو سؤال عن مدة لبثهم في القبور لقوله : في الأرض ، ولم يقل على الأرض ، ورد بمثل قوله تعالى " ولا تفسدوا في الأرض " وانتصاب عدد سنين على التمييز ، لما في كم من الإبهام ، وسنين بفتح النون على أنها نون الجمع ، ومن العرب من يخفضها وينونها ( قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ) استقصروا مدة لبثهم لما هم فيه من العذاب الشديد . وقيل إن العذاب رفع عنهم بين النفختين ، فنسوا ما كانوا فيه من العذاب في قبورهم ، وقيل أنساهم الله ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى النفخة . الثانية ثم لما عرفوا ما أصابهم من النسيان لشدة ما هم فيه من الهول العظيم أحالوا على غيرهم فقالوا ( فاسأل العادين ) أي المتمكنين من معرفة العدد ، وهم الملائكة ، لأنهم الحفظة العارفون بأعمال العباد وأعمارهم ، وقيل المعنى : فاسأل الحاسبين العارفين بالحساب من الناس . وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " قل كم لبثتم في الأرض " على الأمر ، والمعنى : قل يا محمد للكفار ، أو يكون أمرا للملك بسؤالهم ، أو التقدير : قولوا كم لبثتم ، فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد ، والمراد الجماعة ، وقرأ الباقون " قال كم لبثتم " على أن القائل هو الله عز وجل أو الملك ( قال إن لبثتم إلا قليلا ) قرأ حمزة والكسائي " قل إن لبثتم " كما في الآية الأولى ، وقرأ الباقون قال على الخبر ، وقد تقدم توجيه القراءتين : أي مالبثتم في الأرض إلا لبثا قليلا ( لو أنكم كنتم تعلمون ) شيئا من العلم ، والجواب محذوف : أي لو كنتم تعلمون لعلمتم اليوم قلة لبثكم في الأرض أو في القبور أو فيهما ، فكل ذلك قليل بالنسبة إلى لبثهم . ثم زاد سبحانه في توبيخهم فقال ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) الهمزة للتوبيخ والتقرير ، والفاء للعطف على مقدر كما تقدم بيانه في مواضع : أي ألم تعلموا شيئا فحسبتم ، وانتصاب عبثا على الحال : أي عابثين أو على العلة : أي للعبث . قال بالأول سيبويه وقطرب ، وبالثاني أبو عبيدة . وقال أيضا : يجوز أن يكون منتصبا على المصدرية ، وجملة ( وأنكم إلينا لا ترجعون ) معطوفة على أنما خلقناكم عبثا ، والعبث في اللغة : اللعب ، يقال عبث يعبث عبثا فهو عابث : أي لاعب ، وأصله من قولهم عبثت الأقط : أي خلطته ، والمعنى : أفحسبتم أن خلقنا لكم للإهمال كما خلقت البهائم ولا ثواب ولا عقاب ، وأنكم إلينا لا ترجعون بالبعث والنشور فنجازيكم بأعمالكم . قرأ حمزة والكسائي " ترجعون " بفتح الفوقية وكسر الجيم مبنيا للفاعل ، وقرأ الباقون على البناء للمفعول . وقيل إنه يجوز عطف وأنكم إلينا لا ترجعون على عبثا على معنى : أنما خلقناكم للعبث ولعدم الرجوع . ثم نزه سبحانه نفسه فقال ( فتعالى الله ) أي تنزه عن الأولاد والشركاء أو عن أن يخلق شيئا عبثا ، أو عن جميع ذلك ، وهو ( الملك ) الذي يحق له الملك على الإطلاق ( الحق ) في جميع أفعاله وأقواله ( لا إله إلا هو رب العرش