الشوكاني

483

فتح القدير

بشر مثلكم ) أي قال الملأ لقومهم هذا القول ، وصفوه بمساواتهم في البشرية ، وفى الأكل ( مما تأكلون منه ) والشرب مما تشربون منه ، وذلك يستلزم عندهم أنه لا فضل له عليهم . قال الفراء : إن معنى ( ويشرب مما تشربون ) على حذف منه : أي مما تشربون منه وقيل إن ما مصدرية ، فلا تحتاج إلى عائد ( ولئن أطعتم بشرا مثلكم ) فيما ذكر من الأوصاف ( إنكم إذا لخاسرون ) أي مغبونون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم ، والاستفهام في قوله ( أيعدكم أنكم إذا متم ) للإنكار ، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تقبيح اتباعهم له . قرئ بكسر الميم من متم ، من مات يمات كخاف يخاف . وقرئ بضمها من مات يموت : كقال يقول ( وكنتم ترابا وعظاما ) أي كان بعض أجزائكم ترابا ، وبعضها عظاما نخرة لا لحم فيها ولا أعصاب عليها ، قيل وتقديم التراب لكونه أبعد في عقولهم . وقيل المعنى : كان متقدموكم ترابا ، ومتأخروكم عظاما ( أنكم مخرجون ) أي من قبوركم أحياء كما كنتم ، قال سيبويه : أن الأولى في موضع نصب بوقوع أيعدكم عليها ، وأن الثانية بدل منها . وقال الفراء والجرمي والمبرد : إن أن الثانية مكررة للتوكيد ، وحسن تكريرها لطول الكلام ، وبمثله قال الزجاج وقال الأخفش : أن الثانية في محل رفع بفعل مضمر : أي يحدث إخراجكم كما تقول : اليوم القتال ، فالمعنى : اليوم يحدث القتال ( هيهات هيهات لما توعدون ) أي بعد ما توعدون ، أو بعيد ما توعدون ، والتكرير للتأكيد . قال ابن الأنباري : وفى هيهات عشر لغات ثم سردها ، وهى مبينة في علم النحو . وقد قرئ ببعضها ، واللام في لما توعدون لبيان المستبعد كما في قولهم : هيت لك ، كأنه قيل لماذا هذا الاستبعاد ؟ فقيل لما توعدون . والمعنى : بعد إخراجكم للوعد الذي توعدون ، هذا على أن هيهات اسم فعل . وقال الزجاج : هو في تقدير المصدر : أي البعد لما توعدون ، أو بعد لما توعدون على قراءة من نون فتكون على هذا مبتدأ خبره لما توعدون . ثم بين سبحانه إترافهم بأنهم قالوا ( إن هي إلا حياتنا الدنيا ) أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا ، لا الحياة الآخرة التي تعدنا بها ، وجملة ( نموت ونحيا ) مفسرة لما ادعوه من قصرهم حياتهم على حياة الدنيا . ثم صرحوا بنفي البعث ، وأن الوعد به منه افتراء على الله فقالوا ( وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا ) أي ما هو فيما يدعيه إلا مفتر للكذب على الله ( وما نحن له بمؤمنين ) أي بمصدقين له فيما يقوله ( قال رب انصرني ) أي قال نبيهم لما علم بأنهم لا يصدقونه البتة : رب انصرني عليهم وانتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياي ( قال عما قليل ليصبحن نادمين ) أي قال الله سبحانه مجيبا لدعائه واعدا له بالقبول لما دعا به : عما قليل من الزمان ليصبحن نادمين على ما وقع منهم من التكذيب والعناد والإصرار على الكفر ، و " ما " في عما قليل مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد لقلة الزمان كما في قوله " فبما رحمة من الله " . ثم أخبر سبحانه بأنها ( أخذتهم الصيحة ) وحاق بهم عذابه ونزل عليهم سخطه . قال المفسرون : صاح بهم جبريل صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله بها فماتوا جميعا . وقيل الصيحة : هي نفس العذاب الذي نزل بهم ، ومنه قول الشاعر : صاح الزمان بآل برمك صيحة * خروا لشدتها على الأذقان والباء في بالحق متعلق بالأخذ ، ثم أخبر سبحانه عما صاروا إليه بعد العذاب النازل بهم : فقال ( فجعلناهم غثاء ) أي كغثاء السيل الذي يحمله : والغثاء ما يحمل السيل من بالي الشجر والحشيش والقصب ونحو ذلك مما يحمله على ظاهر الماء . والمعنى : صيرهم هلكى فيبسوا كما يبس الغثاء ( فبعدا للقوم الظالمين ) انتصاب بعدا على المصدرية وهو من المصادر التي لا يذكر فعلها معها : أي بعدوا بعدا ، واللام لبيان من قيل له ذلك .