الشوكاني

463

فتح القدير

لإيمان به ( فتخبت له قلوبهم ) أي تخشع وتسكن وتنقاد ، فإن الإيمان به وإخبات القلوب له لا يمكن أن يكونا تمكين من الشيطان بل للقرآن ( وإن الله لهاد الذين آمنوا ) في أمور دينهم ( إلى صراط مستقيم ) أي طريق صحيح لا عوج به . وقرأ أبو حيوة " وإن الله لهاد الذين آمنوا " بالتنوين " ولا يزال الذين كفروا في مرية منه " أي في شك من القرآن ، وقيل في الدين الذي يدل عليه ذكر الصراط المستقيم ، وقيل في إلقاء الشيطان ، فيقولون : ما باله ذكر الأصنام بخير ثم رجع عن ذلك ؟ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " في مرية " بضم الميم ( حتى تأتيهم الساعة ) أي القيامة ( بغتة ) أي فجأة ( أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ) وهو يوم القيامة لأنه لا يوم بعده ، فكان بهذا الاعتبار عقيما ، والعقيم في اللغة من لا يكون له ولد ، ولما كانت الأيام تتوالى جعل ذلك كهيئة الولادة ، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقم ، وقيل يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر ، وقيل إن اليوم وصف بالعقم ، لأنه لا رأفة فيه ولا وحمة ، فكأنه عقيم من الخير ، ومنه قوله تعالى - فأرسلنا عليهم الريح العقيم - أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر ( الملك يومئذ لله ) أي السلطان القاهر والاستيلاء التام : يوم القيامة لله سبحانه وحده لا منازع له فيه ولا مدافع له عنه ، وجملة ( يحكم بينهم ) مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر ، ثم فسر هذا الحكم بقوله سبحانه ( فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم ) أي كائنون فيها مستقرون في أرضها منغمسون في نعيمها ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) أي جمعوا بين الكفر بالله والتكذيب بآياته ( فأولئك لهم عذاب مهين ) أي عذاب متصف بأنه مهين للمعذبين بالغ منهم المبلغ العظيم . وقد أخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن عمرو بن دينار قال : كان ابن عباس يقرا ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث ) وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مثله ، وزاد فنسخت محدث ، قال : والمحدثون : صاحب يس ، ولقمان ، ومؤمن آل فرعون ، وصاحب موسى . وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة . قال السيوطي بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ " أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى ، تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجي . ففرح المشركون بذلك وقالوا : قد ذكر آلهتنا ، فجاءه جبريل فقال : اقرأ علي ما جئت به ، فقرأ : أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى ، تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجي ، فقال : ما أتيتك بهذا ، هذا من الشيطان ، فأنزل الله ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ) الآية " . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، قال السيوطي بسند صحيح عن سعيد بن جبير ، قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة النجم ، فذكر نحوه ، ولم يذكر ابن عباس . وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والسدي عن سعيد مرسلا . ورواه عبد بن حميد عن السدى عن أبي صالح مرسلا . ورواه ابن أبي حاتم عن ابن شهاب مرسلا . وأخرج ابن جرير عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه مرسلا أيضا . والحاصل أن جميع الروايات في هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشئ منها . وقد أسلفنا عن الحفاظ في أول هذا البحث ما فيه كفاية ، وفى الباب روايات من أحب الوقوف على جميعها فلينظرها في الدر المنثور للسيوطي ، ولا يأتي التطويل بذكرها هنا بفائدة ، فقد عرفناك أنها جميعها لا تقوم بها الحجة . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( حتى إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) يقول إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه . وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ، قال : يعنى بالتمني التلاوة والقراءة ، ألقى الشيطان في أمنيته : في تلاوته ( فينسخ الله ) ينسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبي . وأخرج