الشوكاني

460

فتح القدير

وقد اختلف علماء المعقول في محل العقل وماهيته اختلافا كثيرا لا حاجة إلى التطويل بذكره ( أو آذان يسمعون بها ) أي ما يجب أن يسمعوه مما تلاه عليهم أنبياؤهم من كلام الله ، وما نقله أهل الأخبار إليهم من أخبار الأمم المهلكة ( فإنها لا تعمى الأبصار ) قال الفراء : الهاء عماد يجوز أن يقال : فإنه ، وهى قراءة عبد الله بن مسعود ، والمعنى واحد ، التذكير على الخبر ، والتأنيث على الأبصار أو القصة : أي فإن الأبصار لا تعمى ، أو فإن القصة لا تعمى الأبصار : أي أبصار العيون ( ولكن تعمى القلوب في الصدور ) أي ليس الخلل في مشاعرهم ، وإنما هو في عقولهم أي لا تدرك عقولهم مواطن الحق ومواضع الاعتبار . قال الفراء والزجاج : إن قوله التي في الصدور من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام كقوله : عشرة كاملة ، ويقولون بأفواههم ، ويطير بجناحيه . ثم حكى سبحانه عن هؤلاء ما كانوا عليه من التكذيب والاستهزاء فقال ( ويستعجلونك بالعذاب ) لأنهم كانوا منكرين لمجيئه أشد إنكار ، فاستعجالهم إن له هو على طريقة الاستهزاء والسخرية ، وكأنهم كانوا يقولون ذلك عند سماعهم لما تقوله الأنبياء عن الله سبحانه من الوعد منه عز وجل بوقوعه عليهم وحلوله بهم ، ولهذا قال ( ولن يخلف الله وعده ) قال الفراء : في هذه الآية وعيد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة . وذكر الزجاج وجها آخر فقال : أعلم أن الله لا يفوته شئ ، وإن يوما عنده وألف سنة في قدرته واحد ، ولا فرق بين وقوع ما يستعجلون به من العذاب وتأخره في القدرة ، إلا أن الله تفضل بالإمهال انتهى ، ومحل جملة : ولن يخلف الله وعده النصب على الحال : أي والحال أنه لا يخلف وعده أبدا ، وقد سبق الوعد فلا بد من مجيئه حتما ، أو هي اعتراضية مبينة لما قبلها ، وعلى الأول تكون جملة ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) مستأنفة ، وعلى الثاني تكون معطوفة على الجملة التي قبلها مسوقة لبيان حالهم في الاستعجال ، وخطابهم في ذلك ببيان كمال حلمه لكون المدة القصيرة عنده كالمدة الطويلة عندهم كما في قوله - إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا - قال الفراء : هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة : أي يوم من أيام عذابهم في الآخرة كألف سنة . وقيل المعنى : وإن يوما من الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سنى الدنيا فيها خوف وشدة ، وكذلك يوم النعيم قياسا . قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " مما يعدون " بالتحتية ، واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله ( ويستعجلونك ) وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب ، واختارها أبو حاتم ( وكأين من قرية أمليت لها وهى ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير ) هذا إعلام منه سبحانه أنه أخذ قوما بعد الإملاء والتأخير . قيل وتكرير هذا مع ذكره قبله للتأكيد ، وليس بتكرار في الحقيقة ، لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسبا لقوله : فكيف كان نكير ، ولهذا عطف بالفاء بدلا عن ذلك ، والثاني سيق لبيان الإملاء مناسبا لقوله ( ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة ) فكأنه قيل : وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أمهلتهم حينا ، ثم أخذتهم بالعذاب ومرجع الكل إلى حكمي . فجملة : وإلي المصير تذييل لتقرير ما قبلها . ثم أمره الله سبحانه أن يخبر الناس بأنه نذير لهم بين يدي الساعة مبين لهم ما نزل إليهم ، فمن آمن وعمل صالحا فاز بالمغفرة والرزق الكريم وهو الجنة ، ومن كان على خلاف ذلك فهو في النار وهم الذين سعوا في آيات الله معاجزين ، يقال عاجزه سابقه ، لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر ، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه ، قاله الأخفش . وقيل معنى معاجزين : ظانين ومقدرين أن يعجزوا الله سبحانه ويفوتوه فلا يعذبهم ، قاله الزجاج . وقيل معاندين ، قاله الفراء . وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله ( فهي خاوية على عروشها ) قال : خربة ليس فيها أحد ( وبئر معطلة ) عطلها أهلها وتركوها ( وقصر مشيد ) قال : شيدوه وحصنوه فهلكوا وتركوه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ( وبئر معطلة ) قال : التي تركت لا أهل لها . وأخرج عبد بن حميد