الشوكاني
455
فتح القدير
يقال اعتره واعتراه وعره وعراه : إذا تعرض لما عنده أو طلبه ، ذكره النحاس ( كذلك سخرناها لكم ) أي مثل ذلك التسخير البديع سخرناها لكم ، فصارت تنقاد لكم إلى مواضع نحرها فتنحرونها حتى وتنتفعون بها بعد أن كانت مسخرة للحمل عليها والركوب على ظهرها والحلب لها ونحو ذلك ( لعلكم تشكرون ) هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ) أي لن يصعد إليه ولا يبلغ رضاه ولا يقع موقع القبول منه لحوم هذه الإبل التي تتصدقون بها ولا دماؤها التي تنصب عند نحرها من حيث إنها لحوم ودماء ( ولكن يناله ) أي يبلغ إليه تقوى قلوبكم ، ويصل إليه إخلاصكم له وإرادتكم بذلك وجهه ، فإن ذلك هو الذي يقبله الله ويجازي عليه . وقيل المراد أصحاب اللحوم والدماء : أي لن يرضى المضحون والمتقربون إلى ربهم باللحوم والدماء ولكن بالتقوى . قال الزجاج : أعلم الله أن الذي يصل إليه تقواه وطاعته فيما يأمر به ، وحقيقة معنى هذا الكلام تعود إلى القبول ، وذلك أن ما يقبله الإنسان يقال قد ناله ووصل إليه ، فخاطب الله الخلق كعادتهم في مخاطبتهم ( كذلك سخرها لكم ) كرر هذا للتذكير ، ومعنى ( لتكبروا الله على ما هداكم ) هو قول الناحر : الله أكبر عند النحر ، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها ، وذكر هنا التكبير للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير . وقيل المراد بالتكبير وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء ، ومعنى ( على ما هداكم ) على ما أرشدكم إليه من علمكم بكيفية التقرب بها ، وما مصدرية ، أو موصولة ( وبشر المحسنين ) قيل المراد بهم المخلصون ، وقيل الموحدون . والظاهر أن المراد بهم كل من يصدر منه من الخير ما يصح به إطلاق اسم المحسن عليه . وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن عمر قال : لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر . وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : البدن ذات الجوف . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : ليس البدن إلا من الإبل ، وأخرجوا عن الحكم نحوه ، وأخرجوا عن عطاء نحو ما قال ابن عمر . وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه أيضا . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن يعقوب الرباحي عن أبيه قال : أوصى إلى رجل ، وأوصى ببدنة ، فأتيت ابن عباس فقلت له : إن رجلا أوصى إلى وأوصى ببدنة ، فهل تجزئ عنى بقرة ؟ قال نعم ، ثم قال : ممن صاحبكم ؟ فقلت من بنى رباح ، فقال : ومتى اقتنى بنو رباح البقر إلا الإبل ؟ وهم صاحبكم ، إنما البقر للأسد وعبد القيس . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأضاحي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي ظبيان قال : سألت ابن عباس عن قوله ( فاذكروا اسم الله عليه صواف ) قال : إذا أردت أن تنحر البدنة فأقمها على ثلاث قوائم معقولة ، ثم قل بسم الله والله أكبر . وأخرج الفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ( صواف ) قال : قياما معقولة ، وفى الصحيحين وغيرهما عنه أنه رأى رجلا قد أناخ بدنته وهو ينحرها ، فقال : ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وأخرج أبو عبيدة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال : في قراءة ابن مسعود " صوافن " يعنى قياما . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( فإذا وجبت ) قال : سقطت على جنبها . وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال نحرت . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال ( القانع ) المتعفف ( والمعتر ) السائل . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال القانع الذي يقنع بما آتيته . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : القانع الذي يقنع بما أوتى ، والمعتر الذي يعترض . وأخرج عنه أيضا قال : القانع الذي يجلس في بيته . وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عنه أنه سئل عن هذه الآية ، فقال : أما القانع فالقانع بما أرسلت إليه في بيته ، والمعتر الذي يعتريك :