الشوكاني
456
فتح القدير
وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال : القانع الذي يسأل ، والمعتر الذي يتعرض ، ولا يسأل . وقد روى عن التابعين في تفسير هذه الآية أقوال مختلفة ، والمرجع المعنى اللغوي لا سيما مع الاختلاف بين الصحابة ومن بعدهم في تفسير ذلك . وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان المشركون إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء فينضحون بها نحو الكعبة ، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك ، فأنزل الله ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج نحوه . سورة الحج الآية ( 38 - 41 ) قرأ أبو عمرو وابن كثير " يدفع " وقرأ الباقون يدافع وصيغة المفاعلة هنا مجردة عن معناها الأصلي ، وهو وقوع الفعل من الجانبين كما تدل عليه القراءة الأخرى . وقد ترد هذه الصيغة ولا يراد بها معناها الأصلي كثيرا مثل عاقبت اللص ونحو ذلك ، وقد قدمنا تحقيقه . وقيل إن إيراد هذه الصيغة هنا للمبالغة وقيل للدلالة على تكرر الواقع . والمعنى : يدافع عن المؤمنين غوائل المشركين وقيل يعلى حجتهم وقيل يوفقهم والجملة مستأنفة لبيان هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من رب العالمين ، وأنه المتولي للمدافعة عنهم ، وجملة ( إن الله لا يحب كل خوان كفور ) مقررة لمضمون الجملة الأولى ، فإن المدافعة من الله لهم عن عباده المؤمنين مشعرة أتم إشعار بأنهم مبغضون إلى الله غير محبوبين له . قال الزجاج : من ذكر غير اسم الله وتقرب إلى الأصنام بذبيحته فهو خوان كفور ، وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنهم كذلك في الواقع لا لإخراج من خان دون خيانتهم ، أو كفر دون كفرهم ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) قرئ " أذن " مبنيا للفاعل ومبنيا للمفعول وكذلك يقاتلون ، قرئ مبنيا للفاعل ومبنيا للمفعول ، وعلى كلا القراءتين فالإذن من الله سبحانه لعباده المؤمنين بأنهم إذا صلحوا للقتال ، أو قاتلهم المشركون قاتلوهم . قال المفسرون : كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بألسنتهم وأيديهم ، فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيقول لهم : " اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر " فأنزل الله سبحانه هذه الآية بالمدينة ، وهى أول آية نزلت في القتال . وهذه الآية مقررة أيضا لمضمون قوله ( إن الله يدافع ) فإن إباحة القتال لهم هي من جملة دفع الله عنهم ، والباء في " بأنهم ظلموا " للسببية : أي بسبب أنهم ظلموا بما كان يقع عليهم من المشركين من سب وضرب وطرد ، ثم وعدهم سبحانه النصر على المشركين . فقال ( وإن الله على نصرهم لقدير ) وفيه تأكيد لما مر من المدافعة أيضا . ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ) ويجوز أن يكون بدلا من الذين يقاتلون ، أو في محل نصب على المدح ، أو محل رفع بإضمار