الشوكاني

46

فتح القدير

وإلينا خاصة ، فتمم إحسانك إلينا بإجابتنا إلى هذا المطلب ، فأجاب يوسف عليهم بقوله ( معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ) أي نعوذ بالله معاذا ، أنه فهو مصدر منصوب بفعل محذوف ، والمستعيذ بالله هو المعتصم به . وأن نأخذ منصوب بنزع الخافض ، والأصل من أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ، وهو بنيامين لأنه الذي وجد الصواع في رحله فقد حل لنا استعباده بفتواكم التي أفتيتمونا بقولكم - جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه - ، ( إنا إذا لظالمون ) أي إنا إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده لظالمون في دينكم وما تقتضيه فتواكم ( فلما استيئسوا منه ) أي يئسوا من يوسف وإسعافهم منه إلى مطلبهم الذي طلبوه . والسين والتاء للمبالغة ( خلصوا نجيا ) أي انفردوا حال كونهم متناجين فيما بينهم ، وهو مصدر يقع على الواحد والجمع كما في قوله - وقربناه نجيا - . قال الزجاج : معناه انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يعملون به في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم ( قال كبيرهم ) ، قيل هو روبيل لأنه الأسن ، وقيل يهوذا لأنه الأوفر عقلا ، وقيل شمعون لأنه رئيسهم ( ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ) أي عهدا من الله في حفظ ابنه ورده إليه . ومعنى كونه من الله أنه بإذنه ( ومن قبل ما فرطتم في يوسف ) معطوف على ما قبله ، والتقدير : ألم تعلموا أن أباكم وتعلموا تفريطكم في يوسف ، ذكر هذا النحاس وغيره ، ومن قبل متعلقة بتعلموا : أي وتعلموا تفريطكم في يوسف من قبل ، على أن ما مصدرية ، ويجوز أن تكون زائدة ، وقيل ما فرطتم مرفوع المحل على الابتداء ، وخبره من قبل ، وقيل إن ما موصولة أو موصوفة ، وكلاهما في محل النصب أو الرفع ، وما ذكرناه هو الأولى ، ومعنى فرطتم : قصرتم في شأنه ، ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه ( فلن أبرح الأرض ) ، يقال برح براحا وبروحا : أي زال ، فإذا دخله النفي صار مثبتا : أي لن أبرح من الأرض ، بل ألزمها ولا أزال مقيما فيها ( حتى يأذن لي أبى ) في مفارقتها والخروج منها . وإنما قال ذلك لأنه يستحى من أبيه أن يأتي إليه بغير ولده الذي أخذ عليهم الموثق بإرجاعه إليه إلا أن يحاط بهم كما تقدم ( أو يحكم الله لي ) بمفارقتها والخروج منها ، وقيل المعنى : أو يحكم الله لي بخلاص أخي من الأسر حتى يعود إلى أبي وأعود معه ، وقيل المعنى : أو يحكم الله لي بالنصر على من أخذ أخي فأحاربه وآخذ أخي منه . أو أعجز فأنصرف بعد ذلك ( وهو خير الحاكمين ) لأن أحكامه لا تجرى إلا على ما يوافق الحق . ويطابق الصواب . ثم قال كبيرهم مخاطبا لهم ( ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق ) قرأ الجمهور " سرق " على البناء للفاعل ، وذلك لأنهم قد شاهدوا استخراج الصواع من وعائه . وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو رزين على البناء للمفعول . وروى ذلك النحاس عن الكسائي . قال الزجاج : إن سرق يحتمل معنيين : أحدهما علم منه السرق . والآخر اتهم بالسرق ( وما شهدنا إلا بما علمنا ) من استخراج الصواع من وعائه : وقيل المعنى : ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق إلا بما علمنا من شريعتك وشريعة آبائك ( وما كنا للغيب حافظين ) حتى يتضح لنا هل الأمر على ما شاهدناه أو على خلافه ؟ وقيل المعنى : ما كنا وقت أخذنا له منك ليخرجا معنا إلى مصر للغيب حافظين بأنه سيقع منه السرق الذي افتضحنا به ، وقيل الغيب هو الليل ، ومرادهم أنه سرق وهم نيام . وقيل مرادهم أنه فعل ذلك وهو غائب عنهم ، فخفي عليهم فعله ( واسأل القرية التي كنا فيها ) هذا من تمام قول كبيرهم لهم : أي قولوا لأبيكم اسأل القرية التي كنا فيها : أي مصر ، والمراد أهلها : أي اسأل أهل القرية : وقيل هي قرية من قرى مصر نزلوا فيها وامتاروا منها ، وقيل المعنى : واسأل القرية نفسها وإن كانت جمادا فإنك نبي الله ، والله سبحانه سينطقها فتجيبك ، ومما يؤيد هذا أنه قال سيبويه : لا يجوز كلم هندا وأنت تريد غلام هند ( والعير التي أقبلنا فيها ) أي وقولوا لأبيكم اسأل العير التي أقبلنا فيها : أي أصحابها وكانوا قوما معروفين من جيران يعقوب ( وإنا لصادقون ) فيما قلنا ، جاءوا