الشوكاني
448
فتح القدير
المخففة من الثقيلة ، وقيل هي زائدة ، وقيل معنى الآية : وأوحينا إليه أن لا تعبد غيري . قال المبرد : كأنه قيل له وحدني في هذا البيت ، لأن معنى لا تشرك بي وحدني ( وطهر بيتي ) من الشرك وعبادة الأوثان . وفى الآية طعن على ما أشرك من قطان البيت : أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده وأنتم فلم تفوا بل أشركتم . وقالت فرقة : الخطاب بقوله " ألا تشرك " لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ضعيف جدا . ومعنى ( وطهر بيتي ) تطهيره من الكفر والأوثان والدماء وسائر النجاسات ، وقيل عنى به التطهير عن الأوثان فقط ، وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت ، وقد مر في سورة براءة ما فيه كفاية في هذا المعنى ، والمراد بالقائمين هنا هم المصلون ( و ) ذكر ( الركع السجود ) بعده لبيان أركان الصلاة دلالة على عظم شأن هذه العبادة ، وقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا في البيت ، فالطواف عنده والصلاة إليه ( وأذن في الناس بالحج ) قرأ الحسن وابن محيصن " وآذن " بتخفيف الذال والمد . وقرأ الباقون بتشديد الذال ، والأذان الإعلام ، وقد تقدم في براءة . قال الواحدي : قال جماعة المفسرين : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت جاءه جبريل فأمره أن يؤذن في الناس بالحج ، فقال : يا رب من يبلغ صوتي ؟ فقال الله سبحانه : أذن وعلي البلاغ ، فعلا المقام فأشرف به حتى صار كأعلى الجبال ، فأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وقال : يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم ، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء : لبيك اللهم لبيك . وقيل إن الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والمعنى : أعلمهم يا محمد بوجوب الحج عليهم ، وعلى هذا فالخطاب لإبراهيم انتهى عند قوله ( والركع السجود ) وقيل إن خطابه انقضى عند قوله ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ) وأن قوله ( أن إلا تشرك بي ) وما بعده خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقرأ الجمهور " بالحج " بفتح الحاء ، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها ( يأتوك رجالا ) هذا جواب الأمر ، وعده الله إجابة الناس له إلى حج البيت ما بين راجل وراكب ، فمعنى رجالا مشاة جمع راجل ، وقيل جمع رجل . وقرأ ابن أبي إسحاق " رجالا " بضم الراء وتخفيف الجميم ، وقرأ مجاهد " رجالي " على وزن فعالى مثل كسالى ، وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي ، وقال : يأتوك وإن كانوا يأتون البيت ، لأن من أتى الكعبة حاجا فقد أتى إبراهيم ، لأنه أجاب نداءه ( وعلى كل ضامر ) عطف على رجالا : أي وركبانا على كل بعير ، والضامر البعير المهزول الذي أتعبه السفر ، يقال ضمر يضمر ضمورا ، ووصف الضامر بقوله " يأتين " باعتبار المعنى ، لأن ضامر في معنى ضوامر ، وقرأ أصحاب ابن مسعود وابن أبي عبلة والضحاك " يأتون " على أنه صفة لرجالا . والفج الطريق الواسع الجمع فجاج ، والعميق البعيد ، واللام في ( ليشهدوا منافع لهم ) متعلقة بقوله يأتوك ، وقيل بقوله وأذن ، والشهود الحضور ، والمنافع هي تعم منافع الدنيا والآخرة . وقيل المراد بها المناسك ، وقيل المغفرة ، وقيل التجارة كما في قوله - ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم - ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) أي يذكروا عند ذبح الهدايا والضحايا اسم الله ، وقيل إن هذا الذكر كناية عن الذبح لأنه لا ينفك عنه . والأيام المعلومات هي أيام النحر كما يفيد ذلك قوله ( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) وقيل عشر ذي الحجة . وقد تقدم الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات في البقرة فلا نعيده ، والكلام في وقت ذبح الأضحية معروف في كتب الفقه وشروح الحديث ، ومعنى : على ما رزقهم : على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، وهى الإبل والبقر والغنم ، وبهيمة الأنعام هي الأنعام فالإضافة في هذا كالإضافة في قولهم : مسجد الجامع وصلاة الأولى ( فكلوا منها ) الأمر هنا للندب عند الجمهور ، وذهبت طائفة إلى أن الأمر للوجوب ، وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب ( وأطعموا البائس الفقير ) البائس