الشوكاني
449
فتح القدير
ذو البؤس وهو شدة الفقر فذكر الفقير بعده لمزيد الإيضاح ، والأمر هنا للوجوب ، وقيل للندب ( ثم ليقضوا تفثهم ) المراد بالقضاء هنا هو التأدية : أي ليؤدوا إزالة وسخهم ، لأن التفث هو الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار ، وقد أجمع المفسرون كما حكاه النيسابوري على هذا . قال الزجاج : إن أهل اللغة لا يعرفون التفث . وقال أبو عبيدة : لم يأت في الشعر ما يحتج به في معنى التفث . وقال المبرد : أصل التفث في اللغة كل قاذورة تلحق الإنسان . وقيل قضاؤه ادهانه لأن الحاج مغبر شعث لم يدهن ولم يستحد ، فإذا قضى نسكه وخرج من إحرامه حلق شعره ولبس ثيابه ، فهذا هو قضاء التفث . قال الزجاج : كأنه خروج من الإحرام إلى الإحلال ( وليوفوا نذورهم ) أي ما ينذرون به من البر في حجهم ، والأمر للوجوب ، وقيل المراد بالنذور هنا أعمال الحج ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) هذا الطواف هو طواف الإفاضة . قال ابن جرير : لا خلاف في ذلك بين المتأولين ، والعتيق القديم كما يفيده قوله سبحانه - إن أول بيت وضع للناس - الآية ، وقد سمى العتيق لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار ، وقيل لأن الله يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب ، وقيل لأنه أعتق من غرق الطوفان وقيل العتيق الكريم . وقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله ( والمسجد الحرام ) قال : الحرم كله ، وهو المسجد الحرام ( سواء العاكف فيه والباد ) قال : خلق الله فيه سواء . وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : هم في منازل مكة سواء ، فينبغي لأهل مكة أن يوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم ، وقال البادى وأهل مكة سواء ، يعنى في المنزل والحرم . وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال : من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطونه نارا . وأخرج ابن سعد عن عمر بن الخطاب أن رجلا قال له عند المروة : يا أمير المؤمنين أقطعني مكانا لي ولعقبي ، فأعرض عنه عمر وقال : هو حرم الله سواء العاكف فيه والباد . وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال : كان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبوابا حتى ينزل الحاج في عرصات الدور . وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قول الله " ( سواء العاكف فيه والباد ) قال : سواء المقيم والذي يدخل " . وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها " وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن علقمة بن نضلة قال : توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب ، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حفرة عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة فذكره ، وأخرج الدارقطني عن ابن عمر مرفوعا " من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا " وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن راهويه وأحمد وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه ، وابن مردويه عن ابن مسعود رفعه في قوله ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) قال : لو أن رجلا هم فيه بإلحاد وهو بعدن أبين لأذاقه الله عذابا أليما . قال ابن كثير : هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري ، ووقفه أشبه من رفعه ، ولهذا صمم شعبة على وقفه ، وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود في الآية قال : من هم بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت لم تكتب عليه حتى يعملها ، ومن هم بخطيئة في البيت لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنيس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه مع رجلين ، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار ، فافتخروا في الأنساب ، فغضب عبد الله بن أنيس ، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة ، فنزلت فيه ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) يعنى من لجأ