الشوكاني

411

فتح القدير

ورد في السنة في صفة الميزان ما فيه كفاية وقد مضى في الأعراف وفى الكهف في هذا ما يغني عن الإعادة والقسط صفة للموازين قال الزجاج قسط مصدر يوصف به تقول ميزان قسط وموازين قسط والمعنى ذوات قسط والقسط العدل وقرئ القصط بالصاد والطاء ومعنى ليوم القيامة لأهل يوم القيامة وقيل اللام بمعنى في أي في يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسئ وإن كان مثقال حبة من خردل قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر برفع مثقال على أن كان تامة أي إن وقع أو وجد مثقال حبة وقرأ الباقون بنصب المثقال على تقدير وإن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين مثقال حبة كذا قال الزجاج وقال أبو علي الفارسي وإن كان الظلامة مثقال حبة قال الواحدي وهذا أحسن لتقدم قوله فلا تظلم نفس شيئا ومثقال الشئ ميزانه أي وإن كان في غاية الخفة والحقارة فإن حبة الخردل مثل في الصغر أتينا بها قرأ الجمهور بالقصر أي أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها وبها أي بحبة الخردل وقرأ مجاهد وعكرمة آتينا بالمد على معنى جازينا بها يقال آتى يؤاتى مؤاتاة جازى وكفى بنا حاسبين أي كفى بنا محصين والحسب في الأصل معناه العد وقيل كفى بنا عالمين لأن من حسب شيئا علمه وحفظه وقيل كفى بنا مجازين على ما قدموه من خير وشر ثم شرع سبحانه في تفصيل ما أجمله سابقا بقوله وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم فقال ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين المراد بالفرقان هنا التوراة لأن فيها الفرق بين الحلال والحرام وقيل الفرقان هنا هو النصر على الأعداء كما في قوله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان قال الثعلبي وهذا القول أشبه بظاهر الآية ومعنى وضياء أنهم استضاءوا بها في ظلمات الجهل والغواية ومعنى وذكرا الموعظة أي أنهم يتعظون بما فيها وخص المتقين لأنهم الذين ينتفعون بذلك ووصفهم بقوله الذين يخشون ربهم بالغيب لأن هذه الخشية تلازم التقوى ويجوز أن يكون الموصول بدلا من المتقين أو بيانا له ومحل بالغيب النصب على الحال أي يخشون عذابه وهو غائب عنهم أو هم غائبون عنه لأنهم في الدنيا والعذاب في الآخرة وقرأ ابن عباس وعكرمة ضياء بغير واو قال الفراء حذف الواو والمجئ بها واحد واعترضه الزجاج بأن الواو تجئ لمعنى فلا تزاد وهم من الساعة مشفقون أي وهم من القيامة خائفون وجلون والإشارة بقوله وهذا ذكر مبارك إلى القرآن قال الزجاج المعنى وهذا القرآن ذكر لمن تذكر به وموعظة لمن اتعظ به والمبارك كثير البركة والخير وقوله أنزلناه صفة ثانية للذكر أو خبر بعد خبر والاستفهام في قوله أفأنتم له منكرون للإنكار لما وقع منهم من الإنكار أي كيف تنكرون كونه منزلا من عند الله مع اعترافكم بأن التوراة منزلة من عنده ولقد آتينا إبراهيم رشده أي الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل ومعنى من قبل أنه أعطى رشده قبل إيتاء موسى وهارون التوراة وقال الفراء المعنى أعطيناه هداه من قبل النبوة أي وفقناه للنظر والاستدلال لما جن عليه الليل فرأى الشمس والقمر والنجم وعلى هذا أكثر المفسرين وبالأول قال أقلهم وكنا به عالمين أنه موضع لإيتاء الرشد وأنه يصلح لذلك والظرف في قوله إذ قال لأبيه متعلق بآتينا أو بمحذوف أي أذكر حين قال وأبوه هو آزر وقومه نمروذ ومن اتبعه والتماثيل الأصنام وأصل التمثال الشئ المصنوع مشابها لشئ من مخلوقات الله سبحانه يقال مثلث الشئ بالشئ إذا جعلته مشابها له واسم ذلك الممثل تمثال أنكر عليهم عبادتها بقوله ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون والعكوف عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشئ واللام في لها للاختصاص ولو كانت للتعدية لجئ بكلمة على أي ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها وقيل إن العكوف مضمن معنى العبادة قالوا وجدنا