الشوكاني

381

فتح القدير

الريح في جوفه خار ولم يكن فيه حياة ، ( فقالوا هذا إلهكم وإله موسى ) أي قال السامري ومن وافقه هذه المقالة ( فنسى ) أي فضل موسى ولم يعلم مكان إلهه هذا ، وذهب يطلبه في الطور ، وقيل المعنى : فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم ، وقيل الناسي هو السامري : أي ترك السامري ما أمر به موسى من الإيمان وضل ، كذا قال ابن الأعرابي ( أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ) أي أفلا يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجل لا يرجع إليهم قولا : أي لا يرد عليهم جوابا ، ولا يكلمهم إذا كلموه ، فكيف يتوهمون أنه إله وهو عاجز عن المكالمة ، فأن في " ألا يرجع " هي المخففة من الثقيلة ، وفيها ضمير مقدر يرجع إلى العجل ، ولهذا ارتفع الفعل بعدها ، ومنه قول الشاعر : في فتية من سيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يحفى وينتعل أي أنه هالك . وقرئ بنصب الفعل على أنها الناصبة ، وجملة ( ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) معطوفة على جملة لا يرجع : أي أفلا يرون أنه لا يقدر على أن يدفع عنهم ضرا ولا يجلب إليهم نفعا ( ولقد قال لهم هارون من قبل ) اللام هي الموطئة للقسم والجملة مؤكدة لما تضمنته الجملة التي قبلها من الإنكار عليهم والتوبيخ لهم : أي ولقد قال لهم هارون من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم ( يا قوم إنما فتنتم به ) أي وقعتم في الفتنة بسبب العجل وابتليتم به وضللتم عن طريق الحق لأجله ، قيل ومعنى القصر المستفاد من إنما هو أن العجل صار سببا لفتنتهم لا لرشادهم غير وليس معناه أنهم فتنوا بالعجل لا بغيره ( وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ) أي ربكم الرحمن لا العجل ، فاتبعوني في أمري لكم بعبادة الله ، رولا تتبعوا السامري في أمره لكم بعبادة العجل ، وأطيعوا أمري لا أمره ( قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ) أجابوا هارون عن قوله المتقدم بهذا الجواب المتضمن لعصيانه ، وعدم قبول ما دعاهم إليه من الخير وحذرهم عنه من الشر : أي لن نزال مقيمين على عبادة هذا العجل ، حتى يرجع إلينا موسى ، فينظر هل يقررنا على عبادته أو ينهانا عنها ، فعند ذلك اعتزلهم هارون في اثنى عشر ألفا من المنكرين لما فعله السامري . وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله ( يبسا ) قال : يابسا ليس فيه ماء ولا طين . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( لا تخاف دركا ) من آل فرعون ( ولا تخشى ) من البحر غرقا . وأخرجا عنه أيضا في قوله ( فقد هوى ) شقى . وأخرجا عنه أيضا ( وإني لغفار لمن تاب ) قال من الشرك ( وآمن ) قال : وحد الله ( وعمل صالحا ) قال : أدى الفرائض ( ثم اهتدى ) قال : لم يشكك . وأخرج سعيد بن منصور والفريابي عنه أيضا ( وإني لغفار لمن تاب ) قال : من تاب من الذنب ، وآمن من الشرك ، وعمل صالحا فيما بينه وبين ربه ( ثم اهتدى ) علم أن لعمله ثوابا يجزى عليه . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ( ثم أهتدي ) قال : ثم استقام لزم السنة والجماعة . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي في البعث من طريق عمرو بن ميمون عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : تعجل موسى إلى ربه ، فقال الله ( وما أعجلك عن قومك يا موسى ) الآية ، قال : فرأى في ظل العرش رجلا فعجب له ، فقال : من هذا يا رب ؟ قال : لا أحدثك من هو : لكن سأخبرك بثلاث فيه : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ، ولا يعق والديه ، ولا يمشي بالنميمة . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن علي قال : لما تعجل موسى إلى ربه عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلا ، ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار ، فقال لهم السامري : هذا إلهكم وإله موسى ، فقال لهم هارون ، يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ، فلما أن رجع