الشوكاني
380
فتح القدير
إليك : عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني ، يقال رجل عجل وعجول وعجلان : بين العجلة ، والعجلة خلاف البطء ، وجملة ( قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك ) مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل فماذا قال الله له ؟ فقيل قال إنا قد فتنا قومك من بعدك : أي ابتليناهم واختبرناهم وألقيناهم فلا في فتنة ومحنة . قال ابن الأنباري : صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل من بعد انطلاقك من بينهم ، وهم الذين خلفهم مع هارون ( وأضلهم السامري ) أي دعاهم إلى الضلالة ، وكان من قوم يعبدون البقر ، فدخل في دين بني إسرائيل في الظاهر وفى قلبه ما فيه من عبادة البقر ، وكان من قبيلة تعرف بالسامرة ، وقال لمن معه من بني إسرائيل : إنما تخلف موسى عن الميعاد الذي بينكم وبينه لما صار معكم من الحلي ، وهى حرام عليكم وأمرهم بإلقائها في النار ، فكان من أمر العجل ما كان ( فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) قيل وكان الرجوع إلى قومه بعد ما استوفى أربعين يوما : ذا القعدة ، وعشر ذي الحجة ، والأسف الشديد الغضب ، وقيل الحزين ، وقد مضى في الأعراف بيان هذا مستوفى ( قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ) الاستفهام للإنكار التوبيخي ، والوعد الحسن وعدهم بالجنة إذا أقاموا على طاعته ، ووعدهم أن يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى ليعملوا بما فيها ، فيستحقوا ثواب عملهم ، وقيل وعدهم النصر والظفر ، وقيل هو قوله " وإني لغفار لمن تاب " الآية ( أفطال عليكم العهد ) الفاء للعطف على مقدر : أي أو عدكم ذلك ، فطال عليكم الزمان فنسيتم ( أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ) أي يلزمكم وينزل بكم ، والغضب : العقوبة والنقمة ، والمعنى : أم أردتم أن تفعلوا فعلا يكون سبب حلول غضب الله عليكم ( فأخلفتم موعدي ) أي موعدكم إياي ، فالمصدر مضاف إلى المفعول ، لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن يرجع إليهم من الطور ، وقيل وعدوه أن يأتوا على أثره إلى الميقات ، فتوقفوا فأجابوه ، و ( قالوا ما أخلفنا موعدك ) الذي وعدناك ( بملكنا ) بفتح الميم ، وهى قراءة نافع وأبي جعفر وعاصم وعيسى بن عمر ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر الميم ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لأنها على اللغة العالية الفصيحة ، وهو مصدر ملكت الشئ أملكه ملكا ، والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف : أي بملكنا أمورنا ، أو بملكنا الصواب ، بل أخطأنا ولم نملك أنفسنا وكنا مضطرين إلى الخطأ ، وقرأ حمزة والكسائي " بملكنا " بضم الميم ، والمعنى بسلطاننا : أي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك ، وقيل إن الفتح والكسر والضم في بملكنا كلها لغات في مصدر ملكت الشئ ( ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم ) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص وأبو جعفر ورويس " حملنا " بضم الحاء وتشديد الميم ، وقرأ الباقون بفتح الحاء والميم مخففة ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لأنهم حملوا حلية القوم معهم باختيارهم ، وما حملوها كرها ، فإنهم كانوا استعاروها منهم حين أرادوا الخروج مع موسى ، وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة ، وقيل هو ما أخذوه من آل فرعون لما قذفهم البحر إلى الساحل ، وسميت أوزارا : أي آثاما ، لأنه لا يحل لهم أخذها ، ولا تحل لهم الغنائم في شريعتهم والأوزار في الأصل الأثقال كما صرح به أهل اللغة ، والمراد بالزينة هنا الحلي ( فقذفناها ) أي طرحناها في النار طلبا للخلاص من إثمها ، وقيل المعنى : طرحناها إلى السامري لتبقى لديه حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه ( فكذلك ألقى السامري ) أي فمثل ذلك القذف ألقاها السامري ، قيل إن السامري قال لهم حين استبطأ القوم رجوع موسى : إنما احتبس عنكم لأجل ما عندكم من الحلي ، فجمعوه ودفعوه إليه ، فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلا ، ثم ألقى عليه قبضة من أثر الرسول وهو جبريل ، فصار ( عجلا جسدا له خوار ) أي يخور كما يخور الحي من العجول ، والخوار صوت البقر ، وقيل خواره كان بالريح ، لأنه كان عمل فيه خروقا ، فإذا دخلت