الشوكاني

377

فتح القدير

وهذه الآية من جملة ما حكاه الله سبحانه من قول السحرة ، وقيل هو ابتداء كلام ، والضمير في إنه على هذا الوجه للشأن ( ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات ) أي ومن يأت ربه مصدقا به قد عمل الصالحات : أي الطاعات ، والموصوف محذوف ، والتقدير الأعمال الصالحات ، وجملة قد عمل في محل نصب على الحال وهكذا مؤمنا منتصب على الحال ، والإشارة ب‍ ( أولئك ) إلى من باعتبار معناه ( لهم الدرجات العلى ) أي المنازل الرفيعة التي قصرت دونها الصفات ( جنات عدن ) بيان للدرجات أو بدل منها ، والعدن الإقامة وقد تقدم بيانه ، وجملة ( تجرى من تحتها الأنهار ) حال من الجنات ، لأنها مضافة إلى عدن ، وعدن علم للإقامة كما سبق ، وانتصاب ( خالدين فيها ) على الحال من ضمير الجماعة في لهم : أي ماكثين دائمين ، ( و ) الإشارة ( بذلك ) إلى ما تقدم لهم من الأجر ، وهو مبتدأ ، و ( جزاء من تزكى ) خبره : أي جزاء من تطهر من الكفر والمعاصي الموجبة للنار . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وما أكرهتنا عليه من السحر ) قال : أخذ فرعون أربعين غلاما من بني إسرائيل ، فأمر أن يعلموا السحر بالفرما ، قال : علموهم تعليما لا يغلبهم أحد في الأرض . قال ابن عباس : فهم من الذين آمنوا بموسى ، وهم الذين قالوا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في قوله ( والله خير وأبقى ) قال : خير منك إن أطيع وأبقى منك عذابا إن عصى . وأخرج أحمد ومسلم وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب فأتى على هذه الآية ( إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما أهلها الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، وأما الذين ليسوا بأهلها فإن النار تميتهم إماتة ، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون ، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان ، فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل . وأخرج أبو داود وابن مردويه عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء ، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما " وفى الصحيحين بلفظ " إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء " . سورة طه الآية ( 77 - 85 )