الشوكاني
378
فتح القدير
سورة طه الآية ( 86 - 91 ) هذا شروع في إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوهم وقد تقدم في البقرة ، وفى الأعراف . وفى يونس ، واللام في لقد هي الموطئة للقسم ، وفى ذلك من التأكيد ما لا يخفى ، و ( أن ) في أن أسر بعبادي ، إما المفسرة لأن في الوحي معنى القول ، أو مصدرية : أي بأن أسر أي أسر بهم من مصر . وقد تقدم هذا مستوفى ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ) أي اجعل لهم طريقا ، ومعنى يبسا يابسا وصف به الفاعل مبالغة ، وذلك أن الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق حتى لم يكن فيها ماء ولا طين . وقرئ " يبسا " بسكون الباء على أنه مخفف من يبسا المحرك ، أو وجمع يابس كصحب في صاحب ، وجملة " لا تخاف دركا " في محل نصب على الحال : أي آمنا من أن يدرككم العدو ، أو صفة أخرى لطريق ، والدرك اللحاق بهم من فرعون وجنوده . وقرأ حمزة " لا تخف " علي أنه جواب الأمر ، والتقدير : إن تضرب لا تخف ، ولا تخشى على هذه القراءة مستأنف : أي ولا أنت تخشى من فرعون أو من البحر . وقرأ الجمهور " لا تخاف " وهى أرجح لعدم الجزم في تخشى ، ويجوز أن تكون هذه الجملة على قراءة الجمهور صفة أخرى لطريق : أي لا تخاف منه ولا تخشى منه ( فأتبعهم فرعون بجنوده ) أتبع هنا مطاوع تبع ، يقال أتبعتهم إذا تبعتهم ، وذلك إذا سبقوك فلحقتهم ، فالمعنى : تبعهم فرعون ومعه جنوده . وقيل الباء زائدة والأصل اتبعهم جنوده : أي أمرهم أن يتبعوا موسى وقومه ، وقرئ " فأتبعهم " بالتشديد : أي لحقهم بجنوده وهو معهم كما يقال : ركب الأمير بسيفه : أي معه سيفه ، ومحل بجنوده النصب على الحال أي سابقا جنوده معه ( فغشيهم من اليم ما غشيهم ) أي علاهم وأصابهم ما علاهم وأصابهم ، والتكرير للتعظيم والتهويل كما في قوله - الحاقة ما الحاقة - وقيل غشيهم ما سمعت قصته . وقال ابن الأنباري : غشيهم البعض الذي غشيهم ، لأنه لم يغشهم كل ماء البحر ، بل الذي غشيهم بعضه . فهذه العبارة للدلالة على أن الذي غرقهم بعض الماء ، والأول أولى لما يدل عليه من التهويل والتعظيم . وقرئ فغشاهم من اليم ما غشاهم : أي غطاهم ما غطاهم ( وأضل فرعون قومه وما هدى ) أي أضلهم عن الرشد ، وما هداهم إلى طريق النجاة لأنه قدر أن موسى ومن معه لايفوتونه لكونهم بين يديه يمشون في طريق يابسة ، وبين أيديهم البحر ، وفى قوله ( وما هدى ) تأكيد لإضلاله ، لأن المضل قد يرشد من يضله في بعض الأمور ( يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ) ذكر سبحانه ما أنعم به على بني إسرائيل بعد إنجائهم ، والتقدير قلنا لهم بعد إنجائهم : يا بني إسرائيل ، ويجوز أن يكون خطابا لليهود المعاصرين لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم لأن النعمة على الآباء معدودة من النعم على الأبناء ، والمراد بعدوهم هنا فرعون وجنوده ، وذلك بإغراقه وإغراق قومه