الشوكاني

374

فتح القدير

المستقيم . قال الفراء : العرب تقول هؤلاء طريقة قومهم وطرائق قومهم لأشرافهم ، والمثلي تأنيث الأمثل ، وهو الأفضل ، يقال فلان أمثل قومه : أي أفضلهم ، وهم الأماثل . والمعنى : أنهما إن يغلبا بسحرهما مال إليهما السادة والأشراف منكم ، أو يذهبا بمذهبكم الذي هو أمثل المذاهب ( فأجمعوا كيدكم ) الإجماع الإحكام ، والعزم على الشئ قاله الفراء . تقول أجمعت على الخروج مثل أزمعت . وقال الزجاج : معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعا عليه ، وقد اتفق القراء على قطع الهمزة في أجمعوا إلا أبا عمرو ، فإنه قرأ بوصلها وفتح الميم من الجمع . قال النحاس : وفيما حكى لي عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال : يجب على أبى عمرو أن يقرأ بخلاف هذه القراءة ، وهى القراءة التي عليها أكثر الناس ( ثم ائتوا صفا ) أي مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأمورهم وأشد لهيبتهم ، وهذا قول جمهور المفسرين . وقال أبو عبيدة : الصف موضع المجمع ويسمى المصلى الصف . قال الزجاج : وعلى هذا معناه : ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم ، يقال : أتيت الصف بمعنى أتيت المصلى ، فعلى التفسير الأول يكون انتصاب صفا على الحال ، وعلى تفسير أبي عبيدة يكون انتصابه على المفعولية . قال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى ثم ائتوا والناس مصطفون ، فيكون على هذا مصدرا في موضع الحال ، ولذلك لم يجمع ، وقرئ بكسر الهمزة بعدها ياء ، ومن ترك الهمزة أبدل منها ألفا ( وقد أفلح اليوم من استعلى ) أي من غلب ، يقال استعلى عليه إذا غلبه ، وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض ، وقيل من قول فرعون لهم ، وجملة ( قالوا يا موسى إما أن تلقى ) مستأنفة جوابا لسؤال مقدر ، كأنه قيل : فماذا فعلوا بعدما قالوا فيما بينهم ما قالوا ؟ فقيل : قالوا يا موسى إما أن تلقي ، وإن مع ما في حيزها في محل نصب بفعل مضمر : أي اختر إلقاءك أولا أو إلقاءنا ، ويجوز أن تكون في محل رفع على أنها وما بعدها خبر مبتدأ محذوف ، أي الأمر إلقاؤك ، أو إلقاؤنا ، ومفعول تلقي محذوف ، والتقدير : إما أن تلقي ما تلقيه أولا ( وإما أن نكون ) نحن ( أول من ألقى ) ما يلقيه ، أو أول من يفعل الإلقاء ، والمراد إلقاء العصى على الأرض ، وكانت السحرة معهم عصى ، وكان موسى قد ألقى عصاه يوم دخل على فرعون ، فلما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا القول ، ف‍ ( قال ) لهم موسى ( بل ألقوا ) أمرهم بالإلقاء أولا لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم ما معهم ثم يلقي هو عصاه فتبتلع ذلك ، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم ( فإذا حبالهم وعصيهم ) في الكلام حذف ، والتقدير : فألقوا فإذا حبالهم ، والفاء فصيحة ، وإذا للمفاجأة أو ظرفية . والمعنى : فألقوا ففاجأ موسى وقت أن ( يخيل إليه ) سعي حبالهم وعصيهم ، وقرأ الحسن " عصيهم بضم العين " وهى لغة بني تميم ، وقرأ الباقون بكسرها اتباعا لكسرة الصاد ، وقرأ ابن عباس وابن ذكوان وروح عن يعقوب " تخيل " بالمثناة ، لأن العصى والحبال مؤنثة ، وذلك أنهم لطخوها بالزئبق ، فلما أصابها حر الشمس ارتعشت واهتزت ، وقرئ " نخيل " بالنون على أن الله سبحانه هو المخيل لذلك ، وقرئ " يخيل " بالياء التحتية مبنيا للفاعل على أن المخيل هو الكيد ، وقيل المخيل هو أنها تسعى ، فأن في موضع رفع : أي يخيل إليه سعيها ، ذكر معناه الزجاج . وقال الفراء : إنها في موضع نصب : أي بأنها ثم حذف الباء . قال الزجاج : ومن قرأ بالتاء : يعني الفوقية جعل أن في موضع نصب : أي تخيل إليه ذات سعي . قال : ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلا من الضمير في تخيل ، وهو عائد على الحبال والعصي ، والبدل فيه بدل اشتمال ، يقال خيل إليه إذا شبه له وأدخل عليه البهمة والشبهة ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) أي أحس ، وقيل وجد ، وقيل أضمر ، وقيل خاف ، وذلك لما يعرض من الطباع البشرية عند مشاهدة ما يخشى منه ، وقيل خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه ، وقيل إن سبب خوفه هو أن سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا ، فخاف أن يلتبس أمره على الناس فلا يؤمنوا ، فأذهب