الشوكاني

375

فتح القدير

الله سبحانه ما حصل معه من الخوف بما بشره به بقوله ( قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ) أي المستعلي عليهم بالظفر والغلبة ، والجملة تعليل للنهي عن الخوف ( وألق ما في يمينك ) يعني العصا ، وإنما أبهمها تعظيما وتفخيما ، وجزم ( تلقف ما صنعوا ) على أنه جواب الأمر قرئ بتشديد القاف ، والأصل تتلقف فحذف إحدى التاءين ، وقرئ تلقف بكسر اللام من لقفه إذا ابتلعه بسرعة ، وقرئ " تلقف " بالرفع على تقدير فإنها تتلقف ، ومعنى ( ما صنعوا الذي صنعوه من الحبال والعصي . قال الزجاج : القراءة بالجزم جواب الأمر ، ويجوز الرفع على معنى الحال ، كأنه قال : ألقها متلقفة ، وجملة ( إنما صنعوا كيد ساحر ) تعليل لقوله تلقف ، وارتفاع كيد على أنه خبر لأن ، وهى قراءة الكوفيين إلا عاصما . وقرأ هؤلاء " سحر " بكسر السين وسكون الحاء ، وإضافة الكيد إلى السحر على الإتساع من غير تقدير ، أو بتقدير ذي سحر . وقرأ الباقون " كيد ساحر " ( ولا يفلح الساحر حيث أتى ) أي لا يفلح جنس الساحر حيث أتى وأين توجه ، وهذا من تمام التعليل ( فألقى السحرة سجدا ) أي فألقى ذلك الأمر الذي شاهدوه من موسى والعصا السحرة سجدا لله تعالى ، وقد مر تحقيق هذا في سورة الأعراف ( قالوا آمنا برب هارون وموسى ) إنما قدم هارون على موسى في حكاية كلامهم رعاية لفواصل الآي وعناية بتوافق رؤوسها . وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فيسحتكم بعذاب ) قال : يهلككم . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ( فيسحتكم ) قال : يستأصلكم . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : فيذبحكم . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي ( ويذهبا بطريقتكم المثلى ) قال : يصرفا وجوه الناس إليهما . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : يقول أمثلكم ، وهم بنو إسرائيل . وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق في قوله ( تلقف ما صنعوا ) ما يأفكون ، عن قتادة قال : ألقاها موسى فتحولت حية تأكل حبالهم وما صنعوا . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة ، فقالوا لفرعون : إن يكن هذان ساحران فإنا نغلبهما يكون فإنه لا أسحر منا ، وإن كانا من رب العالمين فإنه لا طاقة لنا برب العالمين ، فلما كان من أمرهم أن خروا سجدا أراهم الله في سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها ( قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ) إلى قوله ( والله خير وأبقى ) . سورة طه الآية ( 71 - 76 )