الشوكاني
373
فتح القدير
أي كذب كان ( فتنازعوا أمرهم بينهم ) أي السحرة لما سمعوا كلام موسى تناظروا وتشاوروا وتجاذبوا أطراف الكلام في ذلك ( وأسروا النجوى ) أي من موسى ، وكانت نجواهم هي قولهم ( إن هذان لساحران ) وقيل إنهم تناجوا فيما بينهم فقالوا : إن كان ما جاء به موسى سحرا فسنغلبه ، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر ، وقيل الذي أسروه أنه إذا غلبهم اتبعوه قاله الفراء والزجاج ، وقيل الذي أسروه أنهم لما سمعوا قول موسى ويلكم لا تفتروا على الله ، قالوا : ما هذا بقول ساحر . والنجوى المناجاة يكون اسما ومصدرا . قرأ أبو عمرو ( إن هذين لساحران ) بتشديد الحرف الداخل على الجملة وبالياء في اسم الإشارة على إعمال إن عملها المعروف ، وهو نصب الاسم ورفع الخبر ، ورويت هذه القراءة عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة ، وبها قرأ الحسن وسعيد بن جبير والنخعي وغيرهم من التابعين ، وبها قرأ عاصم الجحدري وعيسى بن عمر كما حكاه النحاس ، وهذه القراءة موافقة للإعراب الظاهر مخالفة لرسم المصحف فإنه مكتوب بالألف . وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه " إن هذان " بتخفيف إن على أنها نافية ، وهذه القراءة موافقة لرسم المصحف وللإعراب ، وقرأ ابن كثير مثل قراءتهم إلا أنه يشدد النون من هذان . وقرأ المدنيون والكوفيون وابن عامر " إن هذان " بتشديد إن وبالألف ، فوافقوا الرسم وخالفوا الإعراب الظاهر . وقد تكلم جماعة من أهل العلم في توجيه قراءة المدنيين والكوفيين وابن عامر ، وقد استوفى ذكر ذلك ابن الأنباري والنحاس ، فقيل إنها لغة بنى الحارث بن كعب ، وخثعم وكنانة يجعلون رفع المثنى ونصبه وجره بالألف ، ومنه قول الشاعر : فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى * مساغا لناباه الشجاع لصمما وقول الآخر : تزود منا بين أذناه ضربة * وقول الآخر : إن أباها وأبا أباها * قد بلغا في المجد غايتاها ومما يؤيد هذا تصريح سيبويه والأخفش وأبي زيد والكسائي والفراء إن هذه القراءة على لغة بني الحارث ابن كعب ، وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أنها لغة بني كنانة ، وحكى غيره أنها لغة خثعم ، وقيل إن إن بمعنى نعم ها هنا كما حكاه الكسائي عن عاصم ، وكذا حكاه سيبويه . قال النحاس : رأيت الزجاج والأخفش يذهبان إليه ، فيكون التقدير : نعم هذان لساحران ، ومنه قول الشاعر : ليت شعري هل للمحب شفاء * من جوى حبهن إن اللقاء أي نعم اللقاء . قال الزجاج : والمعنى في الآية : أن هذا لهما ساحران ، ثم حذف المبتدأ وهو هما . وأنكره أبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جنى ، وقيل إن الألف في هذا مشبهة بالألف في يفعلان فلم تغير ، وقيل إن الهاء مقدرة : أي إنه هذان لساحران حكاه الزجاج عن قدماء النحويين ، وكذا حكاه ابن الأنباري . وقال ابن كيسان : إنه لما كان يقال هذا بالألف في الرفع والنصب والجر على حال واحدة ، وكانت التثنية لا تغير الواحد أجريت التثنية مجرى الواحد فثبت الألف في الرفع والنصب والجر ، فهذه أقوال تتضمن توجيه هذه القراءة توجه تصح به وتخرج به عن الخطأ ، وبذلك يندفع ما روى عن عثمان وعائشة أنه غلط من الكاتب للمصحف ( يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ) وهى أرض مصر ( بسحرهما ) الذي أظهراه ( ويذهبا بطريقتكم المثلى ) قال الكسائي : بطريقتكم بسنتكم ، والمثلي نعت كقولك : امرأة كبرى ، تقول العرب فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى