الشوكاني

351

فتح القدير

منصوب بالفعل الذي بعده ، ومعنى حشرهم إلى الرحمن : حشرهم إلى جنته ودار كرامته ، كقوله - إني ذاهب إلى ربى - والوفد جمع وافد كالركب جمع راكب وصحب جمع صاحب ، يقال وفد يفد وفدا إذا خرج إلى ملك أو أمر خطير كذا قال الجوهري ( ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) السوق الحث على السير ، والورد العطاش قاله الأخفش وغيره . وقال الفراء وابن الأعرابي : هم المشاة ، وقال الأزهري : هم المشاة العطاش كالإبل ترد الماء . وقيل وردا : أي للورد ، كقولك جئتك إكراما : أي للإكرام ، وقيل أفرادا . قيل ولا تناقض بين هذه الأقوال فهم يساقون مشاة عطاشا أفرادا ، وأصل الورد الجماعة التي ترد الماء من طير أو إبل أو قوم أو غير ذلك . والورد الماء الذي يورد ، وجملة ( لا يملكون الشفاعة ) مستأنفة لبيان بعض ما يكون في ذلك اليوم من الأمور ، والضمير في يملكون راجع إلى الفريقين ، وقيل للمتقين خاصة ، وقيل للمجرمين خاصة ، والأول أولى . ومعنى لا يملكون الشفاعة : أنهم لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم . وقيل لا يملك غيرهم أن يشفع لهم ، والأول أولى ( إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) هذا الاستثناء متصل على الوجه الأول : أي لا يملك الفريقان المذكوران الشفاعة إلا من استعد لذلك بما يصير به من جملة الشافعين لغيرهم بأن يكون مؤمنا متقيا ، فهذا معنى اتخاذ العهد عند الله . وقيل معنى اتخاذ العهد أن الله أمره بذلك كقولهم : عهد الأمير إلى فلان إذا أمره به . وقيل معنى اتخاذ العهد شهادة أن لا إله إلا الله ، وقيل غير ذلك . وعلى الاتصال في هذا الاستثناء يكون محل من في " من اتخذ " الرفع على البدل ، أو النصب على أصل الاستثناء . وأما على الوجه الثاني فالاستثناء منقطع لأن التقدير : لا يملك المجرمون الشفاعة ( إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) وهم المسلمون . وقيل هو متصل على هذا الوجه أيضا ، والتقدير : لا يملك المجرمون الشفاعة إلا من كان منهم مسلما ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ) قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي " ولدا " بضم الواو وإسكان اللام . وقرأ الباقون في الأربعة المواضع المذكورة في هذه السورة بفتح الواو واللام ، وقد قدمنا الفرق بين القراءتين ، والجملة مستأنفة لبيان قول اليهود والنصارى ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله ، وفى قوله ( لقد جئتم شيئا إدا ) التفات من الغيبة إلى الخطاب ، وفيه رد لهذه المقالة الشنعاء ، والإد كما قال الجوهري : الداهية والأمر الفظيع ، وكذلك الأدة ، وجمع الأدة أدد ، يقال أدت فلانا الداهية تؤده أداء بالفتح . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " أدا " بفتح الهمزة ، وقرأ الجمهور بالكسر ، وقرأ ابن عباس وأبو العالية " آدا " مثل مادا ، وهى مأخوذة من الثقل ، يقال أده الحمل يؤده : إذا أثقله . قال الواحدي ( لقد جئتم شيئا إدا ) أي عظيما في قول الجميع ، ومعنى الآية : قلتم قولا عظيما . وقيل الإد العجب ، والإدة الشدة ، والمعنى متقارب والتركيب يدور على الشدة والثقل ( يكاد السماوات يتفطرن منه ) قرأ نافع والكسائي وحفص ويحيى بن وثاب " يكاد " بالتحتية ، وقرأ الباقون بالفوقية وقرأ نافع وابن كثير وحفص " يتفطرن " بالتاء الفوقية ، وقرأ حمزة وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر والمفضل " يتفطرن " بالتحتية من الانفطار ، واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله - إذا السماء انفطرت - وقوله - السماء منفطر به - وقرأ ابن مسعود " يتصدعن " والانفطار والتفطر التشقق ( وتنشق الأرض ) أي وتكاد أن تنشق الأرض ، وكرر الفعل للتأكيد لأن تتفطرن وتنشق معناهما واحد ( وتخر الجبال ) أي تسقط وتنهدم ، وانتصاب ( هدا ) على أنه مصدر مؤكد لأن الخرور في معناه ، أو هو مصدر لفعل مقدر : أي وتنهد هدا ، أو على الحال أي مهدودة ، أو على أنه مفعول له : أي لأنها تنهد . قال الهروي : يقال هدني الأمر وهد ركني : أي كسرني لم وبلغ منى . قال الجوهري : هد البناء يهده هدا كسره وضعضعه ، وهدته المصيبة أوهنت ركنه ، وانهد الجبل : أي انكسر والهدة صوت وقع الحائط ، كما قال ابن الأعرابي ، ومحل ( أن دعوا للرحمن ولدا ) الجر بدلا من الضمير في منه .