الشوكاني

260

فتح القدير

سورة الإسراء الآية ( 98 - 100 ) حكى سبحانه عنهم شبهة أخرى قد تكرر في الكتاب العزيز التعرض لإيرادها وردها في غير موضع فقال ( وما منع الناس أن يؤمنوا ) المراد الناس على العموم ، وقيل المراد أهل مكة على الخصوص : أي ما منعهم الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المفعول الثاني لمنع ، ومعنى ( إذ جاءهم الهدى ) أنه جاءهم الوحي من الله سبحانه على رسوله ، وبين ذلك لهم وأرشدهم إليه ، وهو ظرف لمنع أو يؤمنوا : أي ما منعهم وقت مجئ الهدى أن يؤمنوا بالقرآن والنبوة ( إلا أن قالوا ) أي ما منعهم إلا قولهم ، فهو في محل رفع على أنه فاعل منع ، والهمزة في ( أبعث الله بشرا رسولا ) للإنكار منهم أن يكون الرسول بشرا ، والمعنى : أن هذا الاعتقاد الشامل لهم ، وهو إنكار أن يكون الرسول من جنس البشر ، هو الذي منعهم عن الإيمان بالكتاب وبالرسول ، وعبر عنه بالقول للإشعار بأنه ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم ، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عن شبهتهم هذه فقال ( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ) أي لو وجد وثبت أن في الأرض بدل من فيها من البشر ملائكة يمشون على الأقدام كما يمشي الإنس مطمئنين مستقرين فيها ساكنين بها . قال الزجاج : مطمئنين مستوطنين في الأرض ، ومعنى الطمأنينة السكون ، فالمراد ها هنا المقام والاستيطان ، فإنه يقال سكن البلد فلان إذا أقام فيها وإن كان ماشيا متقلبا في حاجاته ( لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) حتى يكون من جنسهم وفيه إعلام من الله سبحانه بأن الرسل ينبغي أن تكون من جنس المرسل إليهم ، فكأنه سبحانه اعتبر في تنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين : الأول كون سكان الأرض ملائكة . والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء ، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا إليها ، وسمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملائكة إليهم فائدة . وانتصاب بشرا وملكا على أنهما مفعولان للفعلين ، ورسولا في الموضعين وصف لهما . وجوز صاحب الكشاف أن يكونا حالين في الموضعين من رسولا فيهما وقواه صاحب الكشاف ، ولعل وجه ذلك أن الإنكار يتوجه إلى الرسول المتصف بالبشرية في الموضع الأول ، فيلزم بحكم التقابل أن يكون الآخر كذلك ، ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد ، فقال ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ) أي قل لهم يا محمد من جهتك كفى بالله وحده شهيدا على إبلاغي إليكم ما أمرني به من أمور الرسالة ، وقال بيني وبينكم ولم يقل بيننا تحقيقا للمفارقة الكلية ، وقيل إن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله له على الصدق ، ثم علل كونه سبحانه شهيدا كافيا بقوله ( إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ) أي عالما بجميع أحوالهم محيطا بظواهرها وبواطنها بصيرا بما كان منها وما يكون ، ثم بين سبحانه أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته فقال ( ومن يهد الله فهو المهتدى ) أي من يرد الله هدايته فهو المهتدى إلى الحق أو إلى كل مطلوب ( ومن يضلل ) أي يرد إضلاله ( فلن تجد لهم أولياء ) ينصرونهم ( من دونه ) يعنى الله سبحانه ويهدونهم إلى الحق الذي أضلهم الله عنه أو إلى طريق النجاة ، وقوله ( فهو المهتدى ) حملا على لفظ من ، وقوله ( فلن تجد لهم ) حملا على المعنى ، والخطاب في قوله : فلن تجد إما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لكل من يصلح له ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ) هذا الحشر على الوجوه