الشوكاني

261

فتح القدير

فيه وجهان للمفسرين : الأول أنه عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم ، من قول العرب : قد مر القوم على وجوههم : إذا أسرعوا . الثاني أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم حقيقة كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه ، وهذا هو الصحيح ، لقوله تعالى - يوم يسحبون في النار على وجوههم - ، ولما صح في السنة كما سيأتي ، ومحل على وجوههم النصب على الحال من ضمير المفعول و ( عميا ) منتصب على الحال ( وبكما وصما ) معطوفان عليه والأبكم : الذي لا ينطق والأصم : الذي لا يسمع ، وهذه هيئة يبعثون عليها في أقبح صورة ، وأشنع منظر ، قد جمع الله لهم بين عمى البصر وعدم النطق وعدم السمع مع كونهم مسحوبين على وجوههم ، ثم من وراء ذلك ( مأواهم جهنم ) أي المكان الذي يأوون إليه ، والجملة في محل نصب على الحال أو هي مستأنفة لا محل لها ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) أي كلما سكن لهبها ، يقال خبت النار تخبو خبوا : إذا خمدت وسكن لهبا . قال ابن قتيبة ومعنى زدناهم سعيرا تسعرا ، وهو التلهب . وقد قيل إن في خبو النار تخفيفا لعذاب أهلها ، فكيف يجمع بينه وبين قوله - لا يخفف عنهم العذاب - ؟ وأجيب بأن المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس بين الخبو والتسعر ، وقيل إنها تخبو من غير تخفيف عنهم من عذابها ( ذلك ) أي العذاب ( جزاؤهم ) الذي أوجبه الله لهم واستحقوه عنده ، والباء في قوله ( بأنهم كفروا بآياتنا ) للسببية : أي بسبب كفرهم بها فلم يصدقوا بالآيات التنزيلية ولا تفكروا في الآيات التكوينية ، واسم الإشارة مبتدأ وخبره جزاؤهم ، وبأنهم كفروا خبر آخر ، ويجوز أن يكون جزاؤهم مبتدأ ثانيا ، وخبره ما بعده ، والجملة خبر المبتدأ الأول ( وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا ) الهمزة للإنكار ، وقد تقدم تفسير الآية في هذه السورة ، وخلقا في قوله ( أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ) مصدر من غير لفظه أو حال : أي مخلوقين . فجاء سبحانه بحجة تدفعهم عن الإنكار وتردهم عن الجحود . فقال ( أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ) أي من هو قادر على خلق هذا ، فهو على إعادة ما هو أدون منه أقدر ، وقيل المراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم ، وعلى القول الأول يكون الخلق بمعنى الإعادة ، وعلى هذا القول هو على حقيقته ، وجملة ( وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ) عطف على أو لم يروا ، والمعنى : قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم ، لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن كما قال - أأنتم أشد خلقا أم السماء - ( وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ) وهو الموت أو القيامة ، ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف ، وقيل في الكلام تقديم وتأخير : أي أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض وجعل لهم أجلا لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم ( فأبى الظالمون إلا كفورا ) أي أبى المشركون إلا جحودا ، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر للحكم عليهم بالظلم ومجاوزة الحد ، ثم لما وقع من هؤلاء الكفار طلب إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم ، بين الله سبحانه أنهم لا يقنعون ، بل يبقون على بخلهم وشحهم فقال ( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى ) أنتم مرتفع على أنه فاعل فعل محذوف يفسره ما بعده : أي لو تملكون أنتم تملكون على أن الضمير المنفصل مبدل من الضمير المتصل وهو الواو ، وخزائن رحمته سبحانه : هي خزائن الأرزاق . قال الزجاج : أعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لأمسكوا شحا وبخلا ، وهو خشية الإنفاق : أي خشية أن ينفقوا فيفتقروا ، وفى حذف الفعل الذي ارتفع به أنتم ، وإيراد الكلام في صورة المبتدأ والخبر دلالة على أنهم هم المختصون بالشح . قال أهل اللغة : أنفق وأصرم وأعدم وأقتر : بمعنى قل ماله ، فيكون المعنى : لأمسكتم خشية قل المال ( وكان الإنسان قتورا ) أي بخيلا مضيقا عليه . يقال قتر على عياله يقتر ويقتر قترا وقتورا : ضيق عليهم في النفقة ، ويجوز أن يراد وكان الإنسان قتورا : أي قليل المال ، والظاهر أن المراد المبالغة في وصفه بالشح ، لأن الإنسان