الشوكاني

250

فتح القدير

سورة الإسراء الآية ( 82 - 85 ) لما ذكر سبحانه الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات ، وهى الصلاة ، فقال ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) . وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية المراد بها الصلوات المفروضة . وقد اختلف العلماء في الدلوك المذكور في هذه الآية على قولين : أحدهما أنه زوال الشمس عن كبد السماء قاله عمر وابنه وأبو هريرة وأبو برزة وابن عباس والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة والضحاك وأبو جعفر الباقر ، واختاره ابن جرير . والقول الثاني : أنه غروب الشمس قاله على وابن مسعود وأبي بن كعب ، وروى عن ابن عباس . قال الفراء : دلوك الشمس : من لدن زوالها إلى غروبها . قال الأزهري : معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة ، وقيل لها إذا أفلت دالكة ، لأنها في الحالتين زائلة . قال : والقول عندي أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس ، والمعنى : أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس ( إلى غسق الليل ) فيدخل فيها الظهر والعصر وصلاتا غسق الليل ، وهما العشاءان ، ثم قال ( وقرآن الفجر ) هذه خمس صلوات . وقال أبو عبيد : دلوكها غروبها ، ودلكت براح : يعني الشمس : أي غابت ، وأنشد قطرب على هذا قول الشاعر : هذا مقام قدمي رباح * دبت حتى دلكت براح اسم من أسماء الشمس على وزن حذام وقطام ، ومن ذلك قول ذي الرمة : مصابيح ليست باللواتي تقودها * نجوم ولا بالآفلات الدوالك أي الغوارب ، وغسق الليل اجتماع الظلمة . قال الفراء والزجاج : يقال غسق الليل وأغسق : إذا أقبل بظلامه قال أبو عبيد : الغسق سواد الليل . قال قيس بن الرقيات : إن هذا الليل قد غسقا * واستكنت الهم والأرقا وقيل غسق الليل : مغيب الشفق ، ومنه قول زهير : طلت تجود يداها وهى لاهية * حتى إذا جعجع الإظلام والغسق وأصل الكلمة من السيلان يقال : غسقت إذا سالت . وحكى الفراء غسق الليل وأغسق ، وظلم وأظلم ، ودجى وأدجى وغبش وأغبش ، وقد استدل بهذه الغاية أعني قوله ( إلى غسق الليل ) من قال إن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب ، روى ذلك عن الأوزاعي وأبي حنيفة وجوزه مالك والشافعي في حال الضرورة ، وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تعيين أوقات الصلوات ، فيجب حمل مجمل هذه الآية على ما بينته السنة فلا نطيل بذكر ذلك . قوله ( وقرآن الفجر ) انتصاب قرآن لكونه معطوفا على