الشوكاني

251

فتح القدير

الصلاة : أي وأقم قرآن الفجر ، قاله الفراء . وقال الزجاج والبصريون : انتصابه على الإغراء : أي فعليك قرآن الفجر . قال المفسرون : المراد بقرآن الفجر صلاة الصبح . قال الزجاج : وفى هذه فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حتى سميت الصلاة قرآنا ، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، وفى بعض الأحاديث الخارجة من مخرج حسن وقرآن معها ، وورد ما يدل على وجوب الفاتحة في كل ركعة ، وقد حررته في مؤلفاتي تحريرا مجودا ، ثم علل سبحانه ذلك بقوله ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار كما ورد ذلك في الحديث الصحيح ، وبذلك قال جمهور المفسرين ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) من للتبعيض ، وانتصابه على الظرفية بمضمر : أي قم بعض الليل فتهجد به ، والضمير المجرور راجع إلى القرآن وما قيل من أنه منتصب على الإغراء ، والتقدير عليك بعض الليل فبعيد جدا ، والتهجد مأخوذ من الهجود . قال أبو عبيدة وابن الأعرابي : هو من الأضداد ، لأنه يقال هجد الرجل : إذا نام ، وهجد إذا سهر فمن استعماله في السهر قول الشاعر : ألا زارت وأهل منى هجود * فليت خيالها بمنى يعود يعني منتبهين ، ومن استعماله في النوم قول الآخر : ألا طرقتنا والرفاق هجود * فباتت بعلات النوال تجود يعني نياما . وقال الأزهري : الهجود في الأصل هو النوم بالليل ، ولكن جاء التفعل فيه لأجل التجنب ومنه تأثم وتحرج : أي تجنب الإثم والحرج ، فالمتهجد من تجنب الهجود ، فقام بالليل . وروى عن الأزهري أيضا أنه قال : المتهجد القائم إلى الصلاة من النوم هكذا حكى عنه الواحدي ، فقيد التهجد بالقيام من النوم ، وهكذا قال مجاهد وعلقمة والأسود فقالوا : التهجد بعد النوم . قال الليث : تهجد إذا استيقظ للصلاة ( نافلة لك ) معنى النافلة في اللغة الزيادة على الأصل ، فالمعنى أنها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم نافلة زائدة على الفرائض ، والأمر بالتهجد وإن كان ظاهره الوجوب لكن التصريح بكونه نافلة قرينة صارفة للأمر ، وقيل المراد بالنافلة هنا أنها فريضة زائدة على الفرائض الخمس في حقه صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدفع ذلك التصريح بلفظ النافلة ، وقيل كانت صلاة الليل فريضة في حقه صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعا ، وعلى هذا يحمل ما ورد في الحديث أنها عليه فريضة ، ولأمته تطوع . قال الواحدي : إن صلاة الليل كانت زيادة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة لرفع الدرجات ، لا للكفارات ، لأنه غفر له من ذنبه ما تقدم وما تأخر ، وليس لنا بنافلة لكثرة ذنوبنا إنما نعمل لكفارتها ، قال : وهو قول جميع المفسرين . والحاصل أن الخطاب في هذه الآية وإن كان خاصا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله أقم الصلاة ، فالأمر له أمر لأمته ، فهو شرع عام ، ومن ذلك الترغيب في صلاة الليل ، فإنه يعم جميع الأمة ، والتصريح بكونه نافلة يدل على عدم الوجوب ، فالتهجد من الليل مندوب إليه ومشروع لكل مكلف . ثم وعده سبحانه على إقامة الفرائض والنوافل فقال ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) قد ذكرنا في مواضع أن عسى من الكريم إطماع واجب الوقوع ، وانتصاب مقاما على الظرفية بإضمار فعل ، أو بتضمين البعث معنى الإقامة ، ويجوز أن يكون انتصابه على الحال : أي يبعثك ذا مقام محمود ، ومعنى كون المقام محمودا : أنه يحمده كل من علم به . وقد اختلف في تعيين هذا المقام على أقوال : الأول أنه المقام الذي يقومه النبي صلى الله عليه وآله وسلم للشفاعة يوم القيامة للناس ليريحهم ربهم سبحانه مما هو فيه ، وهذا القول هو الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة في تفسير الآية ، وحكاه ابن جرير عن أكثر أهل التأويل قال الواحدي : وإجماع