الشوكاني

217

فتح القدير

ثم بعد هذا كله فمن وراء هذه الطلبة الفارغة التي لا تأثير لها إلا بالقيدين المذكورين عذاب الآخرة الدائم ، ولهذا قال ( ثم جعلنا له جهنم ) أي جعلنا له بسبب تركه لما أمر به من العمل للآخرة وإخلاصه عن الشوائب عذاب جهنم على اختلاف أنواعه ( يصلاها ) في محل نصب على الحال : أي يدخلها ( مذموما مدحورا ) أي مطرودا من رحمة الله مبعدا عنها . فهذه عقوبته في الآخرة مع أنه لا ينال من الدنيا إلا ما قدره الله سبحانه له ، فأين حال هذا الشقي من حال المؤمن التقى ؟ فإنه ينال من الدنيا ما قدره الله له وأراده بلا هلع منه ولا جزع ، مع سكون نفسه واطمئنان قلبه وثقته بربه ، وهو مع ذلك عامل للآخرة منتظر للجزاء من الله سبحانه ، وهو الجنة ، ولهذا قال ( ومن أراد الآخرة ) أي أراد بأعماله الدار الآخرة ( وسعى لها سعيها ) أي السعي الحقيق بها اللائق بطالبها ، وهو الإتيان بما أمر به وترك ما نهى عنه خالصا لله غير مشوب ، وكان الإتيان به على القانون الشرعي من دون ابتداع ولا هوى ( وهو مؤمن ) بالله إيمانا صحيحا . لأن العمل الصالح لا يستحق صاحبه الجزاء عليه إلا إذا كان من المؤمنين - إنما يتقبل الله من المتقين - والجملة في محل نصب على الحال ، والإشارة بقوله ( فأولئك ) إلى المريدين للآخرة الساعين لها سعيها وخبره ( كان سعيهم مشكورا ) عند الله : أي مقبولا غير مردود ، وقيل مضاعفا إلى أضعاف كثيرة ، فقد اعتبر سبحانه في كون السعي مشكورا أمورا ثلاثة : الأول إرادة الآخرة الثاني أن يسعى لها السعي الذي يحق لها . والثالث أن يكون مؤمنا . ثم بين سبحانه كمال رأفته وشمول رحمته فقال ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ) التنوين في كلا عوض عن المضاف إليه ، والتقدير كل واحد من الفريقين نمد : أي نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع ، نرزق المؤمنين والكفار وأهل الطاعة وأهل المعصية ، لا تؤثر معصية العاصي في قطع رزقه وما به الإمداد هو ما عجله لمن يريد الدنيا ، وما أنعم به في الأولى والأخرى على من يريد الآخرة ، وفى قوله ( من عطاء ربك ) إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل وهو متعلق بنمد ( وما كان عطاء ربك محظورا ) أي ممنوعا ، يقال حظره يحظره حظرا : منعه ، وكل ما حال بينك وبين شئ فقد حظره عليك ، ومن " هؤلاء " بدل من " كلا " وهؤلاء معطوف على البدل . قال الزجاج : أعلم الله سبحانه أنه يعطى المسلم الكافر وأنه يرزقهما جميعا الفريقين فقال ( هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ) ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ) الخطاب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويحتمل أن يكون لكل من له أهلية النظر والاعتبار ، وهذه الجملة مقررة لما مر من الإمداد وموضحة له ، والمعنى : انظر كيف فضلنا في العطايا العاجلة بعض العباد على بعض ، فمن غنى وفقير ، وقوى وضعيف ، وصحيح ومريض وعاقل وأحمق وذلك لحكمة بالغة تقصر العقول عن إدراكها ( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) وذلك لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا ، وليس للدنيا بالنسبة إلى الآخرة مقدار ، فلهذا كانت الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا . وقيل المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فتظهر فضيلة المؤمنين على الكافرين . وحاصل المعنى أن التفاضل في الآخرة ودرجاتها فرق التفاضل في الدنيا ومراتب أهلها فيها من بسط وقبض ونحوهما . ثم لما أجمل سبحانه أعمال البر في قوله ( وسعى لها سعيها وهو مؤمن ) أخذ في تفصيل ذلك مبتدئا بأشرفها الذي هو التوحيد فقال ( لا تجعل مع الله إلها آخر ) والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد به أمته تهييجا وإلهابا ، أو لكل متأهل له صالح لتوجيهه إليه ، وقيل هو على إضمار القول ، والتقدير : قل لكل مكلف لا تجعل ، وانتصاب تقعد على جواب النهى ، والتقدير : لا يكن منك جعل فقعود ، ومعنى تقعد تصير ، من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها خربة ، وليس المراد حقيقة القعود المقابل للقيام ، وقيل هو كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات ، فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام ، والعجز